الإنسان حين يصبح انتماءً: لبنان واختزال الفرد داخل التصنيف (زينب إسماعيل)

كتبت زينب إسماعيل – الحوارنيوز
لا يصبح السؤال: من أنا؟
بل: إلى من أنتمي؟
نولد في لبنان داخل شبكة من المعاني لا نختارها: أسماء عائلات تسبقنا، طوائف تُعرّفنا قبل أن نعرّف أنفسنا، مناطق تحمل سمعة جاهزة، ولهجات تكشف انتماءاتنا قبل أن ننطق فكرتنا الأولى. لا نتعلم فقط كيف نعيش داخل هذا المكان، بل نتعلم كيف نرى العالم من خلال حدوده الرمزية التي تسبق وعينا به.
ومع الوقت، يصبح الانتماء أحيانًا أكثر حضورًا من الفرد نفسه، ويغدو تعريف الذات مرتبطًا بالمكان الذي وُضعنا داخله أكثر من الأسئلة التي نطرحها عنه.
العقل البشري لا يبحث دائمًا عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن القدرة على الاحتمال. لذلك يميل إلى التبسيط: تحويل التعقيد إلى فئات، والتناقض إلى عناوين، والإنسان إلى تعريف يمكن التعامل معه بسرعة. وفي بلد مثل لبنان، حيث التاريخ ثقيل، والخوف حاضر، والأزمات متراكمة، يصبح التصنيف أكثر من أداة فهم؛ يصبح وسيلة بقاء.
في الظروف الهادئة، يبقى الإنسان فردًا: شخصًا يحمل تناقضاته، تجاربه، شكوكه، ومساحاته الخاصة. لكن في لحظات التوتر السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، يتراجع هذا الفرد خطوة إلى الخلف، ويعود الانتماء إلى الواجهة.
من أي منطقة؟
من أي بيئة؟
مع أي طرف؟
أي اسم تحمله؟
أسئلة تبدو عادية، لكنها غالبًا ليست بحثًا عن الشخص، بل عن مكانه داخل الخريطة الذهنية للآخر.
وهكذا، لا يُختزل الأفراد فقط، بل تُختزل الجماعات أيضًا. تُختصر مناطق كاملة بصفة واحدة، وتُقرأ الطوائف ككتل متجانسة، وتتحول البيئات المختلفة إلى صور جاهزة تُغني عن معرفة الناس داخلها. يصبح اللبناني قابلًا للتصنيف بسرعة، لكنه يفقد شيئًا من فرديته كلما أصبح تعريفه أسهل.
المفارقة أن هذا الاختزال ينجح لأنه مريح. فهو يخفف عن الوعي عبء التعقيد، ويمنح شعورًا زائفًا بالوضوح. فالقول إن جماعة كاملة تفكر بالطريقة نفسها، أو أن منطقة كاملة تحمل العقلية نفسها، أسهل بكثير من الاعتراف بأن الواقع أكثر فوضى مما نحب.
لكن لبنان نفسه يكذّب هذه التصنيفات يوميًا.
داخل كل بيئة سياسية هناك اختلافات لا تُحصى. داخل كل عائلة روايات متناقضة. داخل كل منطقة أشخاص يشبهون خصومهم أكثر مما يشبهون جماعتهم. وما يبدو من بعيد كتلة واحدة، يتفكك عند الاقتراب إلى تفاصيل لا تنتهي.
التصنيف، في جوهره، ليس فعل فهم بقدر ما هو إدارة للغموض؛ محاولة لجعل الواقع أقل اتساعًا مما هو عليه. إنه محاولة لتخفيف ثقل الواقع، لا لقراءته كما هو. لكنه يصبح خطرًا حين ينسى حدوده، ويتحول من أداة مؤقتة إلى حقيقة ثابتة.
هنا يظهر التناقض اللبناني بوضوح: نتحدث كثيرًا عن العيش المشترك، لكننا نعيد إنتاج الحدود الرمزية كل يوم. نرفض الأحكام المسبقة حين تُستخدم ضدنا، ونستخدمها حين نحتاج إلى تفسير سريع للآخر.
يبقى السؤال إذًا ليس: لماذا نصنّف؟
بل: ماذا نخسر حين نصدق التصنيف أكثر من الإنسان نفسه؟
هل يمكن للبناني أن يرى الآخر خارج الطائفة، والمنطقة، والاسم، والموقف السياسي؟ أم أن كل رؤية تحتاج إطارًا ما، حتى لو كان هذا الإطار يترك نصف الحقيقة في الظل؟
ربما لا يمكن إلغاء التصنيف. وربما لا يستطيع مجتمع عاش طويلًا داخل الخوف أن يتخلى بسهولة عن أدواته الدفاعية. لكن يمكن إعادة التصنيف إلى حجمه الحقيقي: أداة مؤقتة، لا تعريفًا نهائيًا. إشارة، لا حكمًا.
وحين يحدث ذلك، لا يختفي الاختلاف، ولا تزول الانتماءات، بل يعود الإنسان إلى مكانه الأصعب: كائن لا يُختصر، ولا يكتمل، ولا يستقر بالكامل داخل اسم، أو طائفة، أو منطقة، أو موقف سياسي.



