بيان واشنطن صك استسلام معجل وإعدام معنوي لبيئة المقاومة (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
يمثل البيان المشترك الصادر عن مفاوضات واشنطن بين لبنان واسرائيل والولايات المتحدة سابقة خطيرة في تاريخ الدبلوماسية اللبنانية، اذ يظهر قبولا رسميا من السلطات اللبنانية بشروط واملاءات تمس بجوهر السيادة الوطنية وتضع البلاد امام منزلقات امنية وسياسية غير محسوبة، حيث جاءت موافقة الوفد اللبناني على هذا الاتفاق الثلاثي لتعكس ارتهانا كاملا للرؤية الاميركية والاسرائيلية، وتحولا واضحا في توصيف موازين القوى ومفاهيم الامن القومي، بعد ان تحول الدور الرسمي من موقع المدافع عن وحدة الاراضي واهالي الجنوب، الى موقع الموقِّع على صك استسلام يمنح الاحتلال مكاسب ميدانية وسياسية دون اي مقابل ملموس.
ولا يجب على احد ان يتفاجأ بما قرر او يريد ان يقرر الرئيس جوزيف عون، بل كان واضحا منذ حديثه الاول والمقابلة الشهيرة في القصر الجمهوري، المسار الذي سيسير عليه، وبالتالي علينا ألا ننتظر ما سيكون عليه الوضع في المستقبل القريب.
لقد ارتضت السلطة اللبنانية ان تدخل في اتفاق مجحف يشترط وقفا شاملا لاطلاق النار من جانب واحد، ملزمة القوات المسلحة بمهام اجرائية وتنفيذية صارمة لابعاد عناصر حزب الله وتفكيك بنيته التحتية. في المقابل تركت الاعتداءات والتحركات الاسرائيلية دون اي قيود او ضمانات دولية تلزمها بالانسحاب او وقف تدمير القرى، بل ان هذا التخاذل الرسمي شرعن بقاء قوات الاحتلال في نقاط حيوية كقلعة الشقيف وحرم سكان الجنوب من حقهم الطبيعي في العودة الى ارضهم، ليتحول الشق اللبناني في هذا البيان الى مجرد ادبيات انشائية وعبارات فضفاضة حول احترام الحدود والسيادة، لا تجد لها اي صدى او آلية تنفيذ في لغة الاتفاقيات الملزمة، وكل الشروط التي تحدث عنها عند الذهاب الى المفاوضات لم يأت على ذكرها الاتفاق، لا وقف اطلاق نار ولا انسحاب ولا الافراج عن الاسرى ولا عودة السكان الى قراهم ولا عودة الإعمار، بل جل همه تجريد عناصر قوة لبنان التي حررت لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، سلاح المقاومة، لا بل الامعان اكثر بقتل الروح المعنوية للمقاومة وجمهورها ومجتمها ومؤيديها، وبادارة الظهر هذه لكل الثوابت، بات واضحا وباختصار، ان المطلوب هو الإعدام المعنوي لبيئة المقاومة من قبل السلطة وترك الإعدام الفيزيائي لإسرائيل وأعوانها في الداخل اللبناني.
ان الاخطر في هذا المسار التفاوضي هو تماهي الموقف الرسمي اللبناني مع تصنيفات خارجية تصف مكونا لبنانيا اساسيا بانه عدو للبلاد، ما يفتح الباب على مصراعيه لفتنة داخلية وحرب اهلية عبر ربط احترام اسرائيل لوحدة لبنان بشرط تعجيزي وهو نزع السلاح في كافة انحاء البلاد، فضلا عن القبول بآليات اميركية واسرائيلية لتقييم ما سمي بالمناطق التجريبية، وهو ما يعد انتقاصا صريحا من القرار الوطني واغلاقا متعمدا لأي وساطات عربية او اوروبية، لتتحمل السلطات اللبنانية بذلك المسؤولية التاريخية عن هذا التنازل الذي يرهن مستقبل البلاد وامنه للاملاءات الخارجية ويقوض مقومات الصمود والسيادة الفعلية، وعلى القاصي والداني ان يعلم بان هذه الموافقة هي مؤشر اساس يبنى عليه في الازمة النارية القادمة على المجتمع اللبناني كله.. والله يستر!



