القمة الروحية : صوت الوحدة الوطنية ودعم الدولة في حماية لبنان ( إبراهيم العرب)

المحامي د. إبراهيم العرب – الحوارنيوز
شكّلت القمة الروحية الإسلامية ـ المسيحية محطة وطنية جامعة في لحظة دقيقة يمرّ بها لبنان، حيث ارتفع صوت المرجعيات الدينية فوق الانقسامات والحسابات الضيقة، مؤكداً أن خلاص الوطن لا يكون إلا بوحدة أبنائه، وبالالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، وبالسعي الحثيث إلى بلورة حلول تحفظ حقوق لبنان وتصون سيادته وتضع حداً للعدوان الإسرائيلي على أراضيه.
فالبيان الختامي الذي تلاه الوزير السابق عباس الحلبي لم يكن مجرد موقف عابر، بل وثيقة وطنية جامعة أكدت تأييد الدولة في مساعيها من أجل الوصول إلى حلول تحفظ حقوق لبنان، والعمل على تحقيق وقف شامل لإطلاق النار في كل الأراضي اللبنانية. وقد عبّر البيان بوضوح عن إدراك عميق لحجم المخاطر التي تهدد الوطن، حين شدد على أن مواجهة العدوان تتطلب وحدة وطنية راسخة ومتجذرة في كيان الدولة ومؤسساتها، بما يضمن صدور القرار الوطني الحر والجامع.
إن أهمية هذه القمة تكمن في أنها أعادت التأكيد على أن اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم ومناطقهم، هم عائلة وطنية واحدة يجمعها مصير مشترك. فالعدوان الإسرائيلي، مهما حاول أن يستفرد بمناطق محددة قتلاً وتهجيراً واحتلالاً، إنما يستهدف لبنان بأسره، لأن أمن الجنوب من أمن البقاع والشمال والجبل وبيروت، ولأن كرامة أي مواطن لبناني هي جزء من كرامة الوطن كله. ومن هنا جاء التشديد على أن الدفاع عن لبنان يجب أن يكون في إطار الدولة الحاضنة والمسؤولة، وبما يعزز دور الجيش والمؤسسات الشرعية.
وقد أحسنت القمة الروحية حين دعت إلى رفض كل قول أو فعل من شأنه تعريض الوحدة الوطنية للتشرذم، وإلى تعزيز ثقافة الولاء للوطن، والتمسك بالسلم الأهلي، واحترام الأديان والرموز الدينية، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يؤجج الفتنة. ففي زمن الحروب والأزمات، تصبح الكلمة مسؤولة، ويغدو الخطاب الوطني الهادئ حاجة ضرورية لحماية المجتمع من الانزلاق نحو الانقسام أو الفوضى.
وفي هذا السياق، يستحق رؤساء الطوائف كل إشادة وتقدير على مواقفهم المسؤولة التي عكست وعياً وطنياً عميقاً وحرصاً صادقاً على لبنان. فقد جاء اللقاء، بدعوة من شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الدكتور سامي أبي المنى، ليؤكد أن المرجعيات الروحية قادرة، عند المنعطفات المصيرية، على أداء دور الضمير الوطني الجامع. وقد عبّر أبي المنى في كلمته عن روح المسؤولية حين شدد على عدم قطع حبل المودة بين اللبنانيين، وعلى أن أي مقاومة أو تفاوض يجب أن يكونا من أجل لبنان وخلاصه، لا من أجل حسابات فئوية أو مصالح ضيقة.
كما برز موقف سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية القاضي الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان بوصفه موقفاً وطنياً واضحاً وحكيماً في آن معاً. فقد وضع سماحته الإصبع على جوهر الأزمة حين أكد أن لبنان يمرّ بظروف عصيبة نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي يطال أهلنا وشعبنا في كل لبنان، مشدداً على ضرورة الوحدة لحفظ السلم الأهلي ومواجهة العدوان. والأهم في كلامه كان تأكيده أن لا غنى عن خيار الدولة، لأن البديل هو الفوضى.
إن هذا الموقف من سماحة المفتي دريان يعكس رؤية وطنية مسؤولة، تقوم على دعم قرار الدولة اللبنانية في السعي إلى حل عبر الدبلوماسية اللبنانية، بما يوقف العدوان الإسرائيلي، ويحفظ حقوق لبنان، ويؤدي إلى تحرير الجنوب، وإطلاق سراح الأسرى، وعودة النازحين إلى ديارهم، وبدء ورشة الإعمار. فالدبلوماسية، حين تستند إلى وحدة وطنية صلبة وإلى موقف رسمي جامع، تصبح أداة قوة لا مظهر ضعف، وطريقاً لحماية السيادة والحقوق وتخفيف معاناة الناس. فلقد أكد سماحته، من موقعه الديني والوطني، أن الدولة هي المرجعية الحاضنة لكل اللبنانيين، وأن الحفاظ على السلم الأهلي لا يقل أهمية عن مواجهة العدوان. فلبنان لا يستطيع أن يخوض معركة الدفاع عن أرضه وحقوقه وهو منقسم داخلياً، ولا يمكن أن يفاوض بفاعلية ما لم يكن قراره الوطني موحداً، ومؤسساته قائمة بدورها، وشعبه ملتفاً حول ثوابت جامعة.
كذلك جاءت مواقف سائر المرجعيات الروحية لتكمل هذه الصورة الوطنية الجامعة. فقد شدد البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بطريرك الروم الأرثوذكس، على ثوابت العيش المشترك ووحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، مؤكداً ضرورة وقف العدوان الإسرائيلي، ودور الإعلام في تجنب تأجيج الفتنة، ومعتبراً أن أهل الجنوب هم إخوة في المصير والمسار. وهذا الكلام يعبّر عن حقيقة راسخة، وهي أن الجنوب ليس قضية منطقة أو طائفة، بل قضية وطن بأكمله.
أما نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب، فقد نبّه إلى أن الوطن بكامل أرضه ومكوناته في خطر شديد، داعياً إلى تدارك الموقف على المستويين الرسمي والشعبي من أجل إنقاذ لبنان الذي ارتضاه أبناؤه وطناً جامعاً لهم جميعاً. وهو موقف ينسجم مع جوهر البيان الختامي الذي رأى أن الخطر لا يقتصر على منطقة دون أخرى، وأن العدوان يهدد الكيان الوطني برمته.
إن القمة الروحية الإسلامية ـ المسيحية أعادت التذكير بأن لبنان، رغم كل جراحه، لا يزال يمتلك عناصر القوة إذا أحسن أبناؤه التمسك بها: الوحدة الوطنية، العيش المشترك، الدولة، الجيش، الدبلوماسية، والتضامن العربي والدولي. كما أن دعوتها الدول الشقيقة والمنظمات الدولية إلى الوقوف إلى جانب لبنان، ودعم المتضررين والمهجرين، والمساهمة في إعادة الإعمار، تشكل نداءً إنسانياً ووطنياً ملحاً في ظل ما يعانيه النازحون والمتضررون من تداعيات الحرب والعدوان.
وإذا كان وقف إطلاق النار الشامل يشكل أولوية عاجلة، فإن المرحلة التالية لا تقل أهمية، وهي مرحلة تثبيت الحقوق اللبنانية، وتحرير الأرض، وإعادة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، وإطلاق ورشة إعمار جدية تعيد الحياة إلى المناطق المنكوبة. وهذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق إلا بتكامل الجهد الرسمي والدبلوماسي مع الموقف الوطني الجامع، وبدعم عربي ودولي واضح للبنان في محنته.
لقد أثبتت هذه القمة أن المرجعيات الروحية في لبنان ليست بعيدة عن هموم الناس ومعاناة الوطن، بل هي شريكة في حماية السلم الأهلي وصون الوحدة الوطنية. كما أثبتت أن صوت الحكمة لا يزال قادراً على جمع اللبنانيين حول ثوابت لا خلاف عليها: رفض العدوان، حماية لبنان، دعم الدولة، الحفاظ على العيش المشترك، ومساندة الجيش والمؤسسات الشرعية.
وفي الخلاصة، فإن القمة الروحية الإسلامية ـ المسيحية جاءت في توقيت بالغ الحساسية لتقول إن لبنان لا يُحمى إلا بوحدة أبنائه، ولا ينهض إلا بدولته، ولا ينتصر إلا بقراره الوطني الجامع. ومن هنا، فإن الإشادة برؤساء الطوائف، وفي مقدمتهم سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية القاضي الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان، هي إشادة بدور وطني مسؤول يؤكد أن طريق الخلاص يبدأ من الدولة، ويمرّ عبر الدبلوماسية اللبنانية، وينتهي بوقف العدوان، وتحرير الجنوب، وعودة الأسرى والنازحين، وإطلاق مسيرة الإعمار وبناء المستقبل.



