رأي

المقاومة والسلطة والدولة(الشيخ محمد شقير) 

الحوارنيوز – رأي

تحت هذا العنوان كتب الشيخ الدكتور محم شقير في صحيفة الأخبار:

|

في الظروف الاستثنائية التي تمرّ فيها الدول، وتنشأ فيها المقاومة، يختلف الحال بين تجربة وأخرى، وتحديداً في العلاقة بين هذه المفاهيم الثلاثة (مقاومة، سلطة ودولة)، في تجلّياتها الواقعية، وفي موقف السلطة من المقاومة، وصولاً إلى توظيف بعض هذه المفاهيم بشكل خاطئ، في سياق الاحتدام السياسي، وحرب المشروعيات.

ما ينبغي قوله بدايةً، هو أنّ المشروعية، بشكل أساس، هي مشروعية وظيفية، وهذه المشروعية ترقى على المشروعية الشعبية حتى، بمعنى أن سلطة ما، عندما يتم انتخابها، فمن أجل القيام بوظيفة ما. أي إنّ الفعل الوظيفي هو الغاية الأسمى، وتالياً الميزان في حساب المشروعية، فإن لم تقم السلطة بوظيفتها، فهذا يعني أنها تفتقر لهذه المشروعية، وعندما تفتقر لمشروعيتها الوظيفية، تصبح فاقدة لمعنى الدولة، بمقدار إهمالها وتقصيرها في تحمّل مسؤولياتها والقيام بواجبها. وفي الحال الذي تتنكّب فيه السلطة عن القيام بواجب الدفاع عن الوطن وحماية سيادته، تفتقد هذه السلطة مساحة كبيرة من معنى الدولة، والسبب أن هذه الفلسفة الوظيفية للمشروعية، تُصاب هنا بضررٍ كبير، ونقص حادّ.

لكن، أبعد من ذلك، عندما تنشأ مقاومة شعبية، كبديل اضطراري عن تقصير السلطة وإهمالها لواجبها، يصبح الأمر أشد تعقيداً، وتحديداً في موقف هذه السلطة من المقاومة، حيث يمكن أن يكون على النحو التالي:

1. أن تدرك هذه السلطة تقصيرها، وتحترم البديل (المقاومة)، الذي يشغل مساحة التقصير في الدفاع عن الوطن وحمايته، لتذهب إلى التعاون والتكامل مع هذه المقاومة في تحقيق الهدف الأسمى، وهو الدفاع والحماية؛ فهنا تحقّق هذه السلطة معنى الدولة في المساحة الوظيفية في المجالات الأخرى (مدنيّة، أمن داخلي،…)، ويكون لها نصيب من معنى الدولة في مساحة الدفاع والحماية تلك، بسبب تعاونها وتكاملها مع المقاومة في تحقيق معنى الدولة فيها تلك.

2. أن تدرك السلطة تقصيرها، من دون أن تذهب إلى التعاون والتكامل مع المقاومة، لكن أيضاً من دون أن تذهب إلى التآمر عليها، أو الاصطدام معها، أو حصارها، أو العمل على إضعافها، فهنا يبقى لتلك السلطة معنى الدولة في المجالات الأخرى التي تشغلها بمسؤولياتها، وإن فقدت معنى الدولة في مجال الدفاع والحماية.

3. أن تنزلق السلطة، ونتيجة لرؤية خاطئة، أو انهزام نفسي، أو تبعية لوصاية، أو عامل فئوي… إلى العمل على إضعاف المقاومة، ومحاصرتها، والتآمر عليها؛ هنا، تصبح السلطة على طرف نقيض مع معنى الدولة، لأنها تعيق وظيفة الدفاع عن الوطن وحمايته، وعندما تصبح السلطة عائقاً أمام تحقّق معنى الدولة، فالمقدّم هو الدولة، وليس السلطة، ويصبح المطلوب تغيير السلطة، لتصبح أقرب إلى معنى الدولة.

يبقى السؤال، ماذا عن السلطة في لبنان؟ ما هو واضح أن السلطة في لبنان تمارس نهجاً خاطئاً في إدارة المرحلة الحالية: من وعيها للمقاومة وضرورتها، إلى الرؤية الخاطئة للعدوّ الإسرائيلي ومشروعه وأطماعه، ولدور الولايات المتحدة الأميركية الشريك في العدوان، إلى الاعتقاد أن تحقيق الأهداف الوطنية يتمّ بالاستعانة بالخارج الغربي، وليس بالحفاظ على أوراق القوة التي يمتلكها لبنان، وأن منطق الاستجداء والخضوع هو الذي يفيدنا، وأن تلبية مطالب العدوّ هي التي تؤدّي إلى تحقيق المصلحة الوطنية، ودفع توحّشه، وإيقاف عدوانه على لبنان.

وهذا النهج ليس فقط نهجاً خاطئاً، بل هو أيضاً نهج خطير، وذلك من جهتين:

الأولى، أنه قد يفضي، في حال تمادي السلطة فيه، إلى تقديم تنازلات، تخدم الأهداف الصهيونية، ولا تحقّق المصالح الوطنية، وإن أمكن تحقيق شيء منها، فسيكون في مقابل تنازلات كبيرة وخطيرة، قد تكون لها تداعيات على أكثر من مستوى.

الثانية، قد تنقل الاحتدام -بل الاحتراب- من كونه بين المقاومة والعدوّ الإسرائيلي، إلى أن يكون داخلياً. وهو الهدف الأساس الذي يعمل عليه الإسرائيلي. وبذلك نكون قد دفعنا بعضاً من الضرر، لكن لنقع في ما هو أشدّ منه وأخطر في الداخل اللبناني.

قد تكون السلطة عاجزة عن الدفاع والحماية، وقد تلجأ إلى اعتماد الخيار الدبلوماسي في مواجهة التوحّش الإسرائيلي، وهذا قد يكون مفهوماً، بل مطلوباً، لكن الفهم الخاطئ لإدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي، وكيفية توظيف أوراق القوة التي يمتلكها لبنان في مواجهة عدوانه، وصولاً إلى تلمّس شيء من العداء في النظرة إلى المقاومة ودورها؛ كل هذا، قد يدفع إلى القول: إنّ على هذه السلطة أن تُجري مراجعة سريعة لطريقة إدارتها للمرحلة، وأن تعيد النظر في نهجها الخاطئ، وذلك بأن تعتمد ما يأتي:

1- التخلّي عن العداء للمقاومة وشعبها ووظيفتها.

2- عدم التفريط في أوراق القوة التي يمتلكها لبنان، وتحديداً في ما تمتلكه المقاومة ودورها.

3- قد لا تمتلك هذه السلطة القوة العسكرية لمواجهة العدو، لكنها تمتلك سلاح الموقف، والقدرة على إدارة الصراع بطريقة حكيمة، والصلابة في مواجهة التوحّش الإسرائيلي.

4- الامتناع عن تقديم التنازلات المجانية، استجابة لتهديد العدو وتغوّله، لأنها إن فعلت، فإنها تكرّس بذلك معادلة، تعين العدو على ممارسة الابتزاز، والمزيد من البلطجة، لأن السلطة -بهذا الرضوخ المهين، بل والغبي- تغري العدو بمزيد من هذا الابتزاز، الذي لن يقف عند حدّ.

5- أن يكون المعيار لديها -فقط وفقط- المصلحة الوطنية، ومصلحة لبنان الدولة، وأن تطلب هذه المصلحة، حتى لو كانت في مضيق هرمز، بعيداً عن أي حسابات فئوية ضيقة، أو طائفية مَقيتة، أو استلاب للوعي والإرادة، أو تأثّر بالأوصياء الجدد، أو استبداد في اتخاذ القرارات المصيرية؛ فلو ثبت أن السلطة رفضت إدراج لبنان في اتفاق إسلام آباد لوقف إطلاق النار، كي لا يُسجّل هذا الإنجاز إلى إيران، حتى لو أدّى إلى استمرار العدوان والقتل والإجرام، فهو ما يرقى إلى الخيانة الوطنية، التي يجب أن يُحاكم مرتكبها.

إنّ ما يجب أن يعلمه أركان السلطة في لبنان، هو أنهم بتسنّمهم مواقع المسؤولية، هم مؤتمنون على المصلحة الوطنية، والمصالح العليا للدولة، وأنهم يجب أن يكونوا رجال دولة، بحجم الوطن، وأنهم ليسوا مُطلقي اليد في اتخاذ القرارات المصيرية، التي يجب أن تراعي القانون الأساسي (الدستور)، والشراكة الوطنية، والمصالح الوطنية العليا، والتكامل والتنسيق مع المقاومة، باعتبار كونها الموطن الأساس للمشروعية الوظيفية -وأيضاً الشعبية- في تحقّق معنى الدولة في الدفاع والحماية.

أي إنّ المقاومة، في دورها هذا، هي جزء أساس ومقوّم من معنى الدولة ومشروعيتها، وإن مفهوم الدولة ليس حكراً على هذه السلطة – بل لا يحق لأي مسؤول، مهما كَبُرَ وسمُه، أن يختزل الدولة في شخصه. فإن فعلت السلطة ذلك، تكون لقراراتها مشروعيتها الوطنية، وترتقي بفعلها هذا إلى مصاف أن تكون دولة، وإن لم تفعل هذا، فلا يكون لقراراتها من مشروعية وطنية، بل وتهبط إلى أن تكون مجرّد سلطة، تفتقد إلى معنى الدولة في مساحتها الأهم (الدفاع والحماية). وهنا، لن ينفعها السعي الدؤوب إلى التلطّي الزائف خلف مفهوم الدولة ومشروعيتها -فهذه المشروعية قد أضحت في مكان آخر- وتكون قد سقطت في اختبار أن تكون دولة في الاستحقاقات المصيرية، التي يمرّ فيها الوطن وأمنه.

عندما تفشل سلطة بعينها في أن تكون دولة، يصبح من المطلوب التفكير الجدّي ببدلٍ عنها، لأن هذا الوطن، بما يواجهه من تهديدات وتحدّيات مصيرية، يليق به أن تكون لديه سلطة، ترتقي إلى أن تكون دولة، لا سلطة تنحدر إلى أن تكون عُصبة، تعيق الدولة عن تحقيق معناها ودورها.

* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى