
زينب اسماعيل – الحوارنيوز
نحملُ في الداخلِ حزنًا عميقًا… حزنًا لا يُقال، بل يُرى في العيون، في الطرقات التي تغيّرت ملامحها، في البيوت التي صار سقفها السماء، وفي القرى التي بدأت تتساوى مع قرى الجنوب، تلك التي سُوّيت بالأرض حتى صار الترابُ شاهدها الوحيد.
يقول المثل الشعبي: “يسوانا ما يسواهم”، لكن الحقيقة أن الوجع واحد، والخراب حين يدخل بيتًا لا يسأل عن الطائفة، ولا عن الحزب، ولا عن الاسم.
الدمار حين يأتي، يجعل الجميع متشابهين في الفقد، ومتساوين في الحزن.
هناك… شبابٌ على الجبهة، وبغضّ النظر عن كل الحسابات السياسية، ترتفع لهم القبعات، لأنهم يقاومون من أجل قضية، ويدافعون عن مبدأ، ويذهبون واحدًا تلو الآخر، ليُعجن تراب الجنوب بدمائهم، فيصير الوطن أكثر قداسة… وأكثر وجعًا.
لكن في المشهد الآخر، يبقى السؤال الذي يخنق الجميع:
هل كان لا بدّ من هذه الحرب؟
هل كنا أمام قدرٍ لا مهرب منه؟ أم أننا أسرعنا إلى النار قبل أن تصل إلينا؟
الجميع يعلم الأطماع الإسرائيلية، ويعرف المشروع الصهيوني الكبير، ويفهم أن إسرائيل لا تحتاج إلى ذريعة كي تقتل، وتحتل، وتدمّر.
لكن الجميع أيضًا يتساءل: هل كانت اللحظة محسوبة؟ وهل دخلنا الحرب بقرارنا؟ أم دخلناها لأن الآخرين دخلوها؟
هناك من يرى أن الحزب دخل الحرب لأن إيران دخلتها، وأن الجبهتين المفتوحتين كانتا تخففان الضغط عن بعضهما البعض، وأن الصمود لم يكن ليكون بهذه الصورة لولا هذا الامتداد الإقليمي.
لكن السؤال الأكثر مرارة الآن:
أين إيران؟
هي على طاولة المفاوضات، والجنوب ما زال على طاولة النار.
هي تفاوض… ونحن ندفن أبناءنا.
هي تبحث عن مصالحها… ونحن نبحث عن بقايا منازلنا.
والحرب بقيت مفتوحة حتى احتُلّ جزء كبير من الجنوب، وصارت قرى كاملة خارج الحسابات… وخارج الرحمة.
أما الدولة، فتعلن إنجازها بأنها دخلت مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في أميركا، واتفقت على وقف إطلاق النار.
لكن أيّ وقف هذا؟
هل كان وقفًا لإطلاق النار على بيروت فقط؟ وهل الجنوب أصبح خارج الخريطة اللبنانية؟ وهل بعض القرى الواقعة شمال الليطاني لم تعد تُحسب من الوطن؟
نقف حائرين أمام الكلمات، حتى التحليل أصبح تهمة.
إن هاجمنا إيران صرنا صهاينة.
وإن هاجمنا أميركا صرنا أتباعًا لإيران.
وإن قلنا إننا نريد فقط وطنًا، اتهمونا بالخيانة من الطرفين.
لم نعد نرى الحل، ولا نعرف أي طريقٍ يوصل إلى النجاة.
نسأل فقط:
ما الذي سيُبقي لبنان؟ وما الذي سيجعلنا نعيش يومًا واحدًا بسلام؟
هل السلام مع إسرائيل هو الحل؟
طبعًا لا.
فالدماء التي سالت لا يمكن أن تُمسح بتوقيع، ولا يمكن أن تتحول إلى ثمنٍ لاتفاق سلام أو مشروع تطبيع.
شعب الجنوب عنيد، لا يساوم على دمائه، ولا ينسى شهداءه، ولا يبيع أرضه مقابل هدنة مؤقتة.
وهل الحل أن نعلن الولاء الكامل لإيران؟
أيضًا لا.
فإيران، مهما رفعت من شعارات، لديها مشروعها التوسعي، ومصالحها التي لا تشبه مصالحنا دائمًا.
ولبنان لا يجب أن يكون محافظةً تابعة لأحد، لا لإيران، ولا لأميركا، ولا لأي محور يرانا مجرد ورقة تفاوض.
نحن شعبٌ لم يعد يرى الأفق، وأصبح على يقين أن لا قيمة لنا كأفراد، وأننا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، ووقودٌ لحروب الآخرين، وساحةٌ مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
ولدينا القليل من النفط، فيطمع الجميع بنا أكثر، كأن الدم لم يكن كافيًا، فأرادوا حتى ما تحت البحر.
نحن لا نريد المعجزات…
نريد فقط دولة.
دولة حقيقية، لا تُدار بالوصاية، ولا تُباع بالمحاور، ولا يُرسم مصيرها في السفارات.
نريد وطنًا لا يكون فيه الجنوب جبهة، ولا بيروت منصة تفاوض، ولا الإنسان مشروع شهيد دائم.
نريد أن نعيش فقط…
وهذا، في لبنان، أصبح أصعب المطالب.



