رأي

الحرب النفسية التي يُروّج لها الأصدقاء قبل الأعداء! (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

خير الأمور أوسطها، هو واحد من الأمثال العديدة التي تُشير إلى التعاطي بوسطية في أغلب الأمور والمواضيع والصعوبات التي يُعاني منها الإنسان بشكل عام في حياته الإجتماعية، ووردت في القرآن الكريم الآية المباركة: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، وفي الحديث عن أئمتنا عليهم السلام: (لا أفراط ولا تفريط ولكن أمر بين أمرين). وقد استشهدنا بالآية والحديث لأن عددًا كبيرًا من الذين يتحدثون على الشاشات ويكتبون في الصحف والمواقع الإلكترونية هم من الذين يؤمنون بالله ورسوله، لكن في واقعنا المعاش نجد أن معظمهم، كما العديد من السياسيين من نواب ووزراء، يتّخذون أقصى درجات التطرف يمينًا وشمالًا عند الحديث عن القضايا الاجتماعية بشكل عام، وعن موضوع الحرب بشكل خاص.

لا شك أن حرية الرأي مكفولة في الشريعة الإسلامية وفي القوانين الوضعية، ولكل شخص أن يُعبر عن رؤيته في قضايا المجتمع، لكن هذه الحرية لا تعني بأي حال من الأحوال تعريض الآخرين للأخطار المادية منها أو النفسية، وإذا كانت الأخطار المادية واضحة المعالم، وتشكّل جريمة بحق الآخرين، فإن الأخطار النفسية لا تقل شأنًا عنها، خصوصًا في الأوقات الصعبة التي تمر على أهلنا في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ لبنان، لذا فإن الحرب النفسية التي تُخاض ضد شعبنا الصابر، الصامد،، المضحي والباذل لكل نفيس في سبيل صد العدوان الصهيوني الأمريكي على وطننا الغالي لبنان، تُشكّل جزءًا من هذه الحرب الجائرة.

إذا كان الانقسام بين سياسيي لبنان واضحًا، وموقف البعض منهم صريحًا في معاداة المحور المقاوم، ولا يترك فرصة إلا ويتهجم عليها، ويخوض ضدها حربا نفسية، بدءًا من تبني أقوال سياسيي وعسكريي العدو الصهيوني، وصولًا إلى التمني عليهم بعدم وقف الحرب إلا بعد القضاء على المقاومة بشكل نهائي، وكذلك في تبني البعض الآخرنهج بعض السياسيين الأمريكيين ضد المقاومة والترويج لهم، مع أن كثيرًا منهم لا يُمثّل السياسة الأمريكية الرسمية، لكنه يستغل صفة كونه درسا أو عملا في أمريكا ليبث رأيه ويُشهّر به، فيما البعض منهم من أصول عربية، وسيرتهم معروفة بين السياسيين، ولا يهتم برأيهم أحد في الإعلام الأمريكي، فلا نشاهدهم على الشاشات الأمريكية أو في كتابات كبريات الصحف والمجلات الأمريكية والأوروبية، لكن في لبنان يصرون على أنهم خبراء في السياسة، ومقربون من البيت الأبيض، ولا ندري أهم مقربون من البيت الأبيض مكانيًا أو روحيًا؟ وهل فعلًا لهم صلات ولو بأدنى الموظفين في الخارجية الأمريكية؟

كل ذلك مفهوم من هؤلاء في سياق الحرب ومعاداة نهج المقاومة والصمود، لكن ما ليس مفهومًا، هو آراء وأفكار العديد من السياسيين والمحللين، وبعضهم استراتيجي كما يُعرّف عنهم، وهم يدّعون أنهم جزء من هذا النهج المقاوم، وأنهم يؤيدونه، ويروّجون لأفكاره وسردياته، لكن عندما يظهرون على الشاشات الصديقة والمعادية، نراهم – وبالتأكيد عن غير قصد – يتخذون مواقف وسقوفا عالية، تؤثر سلبًا على جمهور المقاومة، وبدل أن ترفع من معنوياته، تُحبطه وتهدّ من عزيمته في الصمود والمقاومة، ولعل من أبرز تلك الأمور على سبيل المثال الحديث عن قدرات خارقة تمتلكها إيران وفصائل المقاومة، ويتم بناء سيناريوهات معارك خيالية بناء على ذلك، أو تقدير موقف سواء عن إيران أو المقاومة في لبنان بأن قرارات كبرى ستتخذ إذ ما قامت الولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية بعمل ما، أو في سياق تأكيد الربط بين الجبهات.

 إن الترويج لقرارات بعيدة عن الواقع ستُصيب جمهور المقاومة بالإحباط عند عدم تحققها، مع علم الجميع أن أي قرار سيتخذه أي من مسؤولي وقادة محور المقاومة هو قرار متشعب الحيثيات، وله تاثيراته على صعد مختلفة، ويرتبط بعمليات تجري على مختلف الساحات، وأن ترابط الساحات لا يعني بالضرورة إتخاذ قرارات آنية أو ذات مصلحة خاصة بطرف دون النظر إلى إرتداتها على الأطراف الأخرى، فيما يلجأ البعض إلى الحديث عن إنهيار الولايات الأمريكية المتحدة نتيجة هذه الحرب، أو سقوط حكومة  الكيان الغاصب، وفي ذلك تسخيف لعقول الجمهور، واستهانة بقدرات الأعداء. كما نجد بعض المحللين الذين يخلطون بين قراءة الوقائع وبين التنبؤ والتنجيم مستندين إلى أقوال منجمين وعرّافين، وفي ذلك خروج على أبسط قواعد الكتابة الصحفية أو التصريح التلفزيوني والإعلامي.

ولعل أبرز ما في ذلك، هو الاستشهاد دومًا بما يقوله الإعلام الصهيوني أو الأمريكي عن خلافات وتناقضات ستؤدي إلى ضعف الطرف الآخر، وإذعانه لشروط المقاومة في المنطقة، ونحن نعلم أن الإعلام سواء في الكيان الصهيوني أو في الولايات المتحدة الأمريكية، هو إعلام ممسوك من جهات استراتيجية عليا، ولا يُمكن التملص من الإملاءات التي تقررها تلك السلطات، بل إن كل ما يُقال عن اختلاف وتناقض هون ضمن خطط المواجهة المعدة ضد محور المقاومة، ولنا أن نستشهد لذلك بما قاله الرئيس ترامب عن محو الحضارة الإيرانية أو تدمير الدولة في إيران، فما لبثت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن نقلت عن مسؤولين أن منشور ترامب بشأن إنهاء الحضارة الإيرانية كان مرتجلًا وليس جزًءا من خطة الأمن القومي، وفي ذلك اشارة إلى أن ما يصدر عن الرئيس ترامب ولو بدا متناقضًا في نفسه، إلا أنه جزء من خطة الأمن القومي،  ومن هنا نفهم أن ما يُصرح به الرئيس ترامب أو العديد من المسؤولين الأمريكيين، يأتي في سياق خطة واضحة لمسار الحرب، وليس تفردًا في قرارت مصيرية، وكذا ما نقلته بلومبرغ عن مسؤول في البيت الأبيض من أن الرئيس ترامب يرى أن تعليقاته عما يحدث، إذا انقضى موعد الهدنة، تخلق غموضًا استراتيجيًا. إذن فكل ما يصدر في زمن الحرب هو منسق بين كل المسؤولين لخدمة أهداف الحرب على محور المقاومة.

أما في الكيان الغاصب، فالأمر أشد وقعا من حيث عدم السماح بالنشر لأي خبر يخص جبهة القتال، وحتى ما يُسمى في الداخل بالمعارضة، فإن ما يُصرحون به هو في هذا السياق نفسه، وليس أدل على ذلك أن نتنياهو يضع زعيم المعارضة يائير ليبيد دوريًا في مستجدات ساحات القتال لتكون تصريحاته أو تصريحات غيره من المعارضين في سياق خدمة أهداف الحرب، لذا فإن تصريحات المسؤولين في محور الشر الأمريكي الصهيوني هي جزء من الحرب النفسية على مجتمعنا، ولا يمكن التعويل عليها لإتخاذ مواقف وبناء تحليلات وسرديات قد تأتي بنتائج عكسية على مجتمع المقاومة في لبنان وإيران، وإن الحرب النفسية هي أشد وأصعب وقعًا عليه.

إن خدمة المقاومة وجمهورها يكون في دراسة الأحداث والوقائع بشكل هادىء ومعمق، والأخذ من مصادر موثوقة، وبناء تحليلاتهم بناء على ذلك، والابتعاد عن الشعبوية في التصريحات وفي كتابة الآراء، واعتماد الوسطية في سردياتهم بمعنى عدم تضخيم القدرات وبالتأكيد عدم التوهين بها، حتى تتوضح الصورة الحقيقية والواقعية للجمهور. 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى