رأيصحف

في المقاومة وسرديّة الوكلاء والأذرع (الشيخ محمد شقير)

 

الحوارنيوز – صحافة

كتب الشيخ الدكتور محمد شقير* في صحيفة الأخبار اليوم:

 

الإعلام الصهيوني، والمتصهين، على توصيف قوى المقاومة في المنطقة على أنها مجرد أذرع لإيران، أو وكلاء لها، لكن أن تجد بعض الإعلام الخليجي والمحلي يصرّ على ارتكاب هذه الهَنة، فهو ما يستدعي مناقشة هذه السردية للوقوف على بعضٍ من دلالاتها ومقاصدها.

في الدلالات يمكن أن نشير إلى ما يلي:
1. العداء لمنطق المقاومة وقواها في المنطقة، فهؤلاء يعبّرون بتوصيفهم هذا عن عدائهم للمقاومة ودورها.
2. عنصرية العديد من هؤلاء، سواء أكانت عنصرية طائفية، أم مذهبية، أم سوى ذلك، ولهذا لا يستطيع من غلبت عنصريته على وعيه، إلا أن يرى المقاومة في بعدها الوطني، أو العربي، أو الإسلامي، على أنها مجرّد ذراع لإيران ودورها.
3. سيطرة وعي الأذرع على عقول هؤلاء وخطابهم، أي لأن هؤلاء مجرّد وكيل إعلامي للمشروع الصهيوني والغربي، فهم غير قادرين على رؤية أي واقع مشرق على المستوى الوطني والعربي، أي إن حكم هؤلاء على الآخرين، ليس إلا مجرّد انعكاس لطينتهم، ووعيهم لأنفسهم.
4. الإيرانوفوبيا، أي إن المشروع الصهيوني، وبهدف تسميم الوعي العربي والإسلامي، عمل على تعزيز سردية أن إيران هي العدو، وليس إسرائيل، وقد استطاع أن يخترق العديد من النخب ووسائل الإعلام، بحيث إن هؤلاء أصبحوا يربطون كل شيء بإيران ودورها، وهؤلاء يحتاجون إلى العلاج النفسي، أكثر من حاجتهم إلى العلاج المعرفي.
5. إن العديد من هؤلاء جزءٌ من العدوان الصهيوني على المنطقة، إذ إن الصهيوني يستهدف المنطقة بآلته الخشنة، وهم يستهدفونها بخطابهم وسعيهم إلى تسميم الوعي.

أمّا في المقاصد، فهم يسعون إلى:
1. نزع البعد الوطني عن المقاومة، وتقديمها على أنها حالة أجنبية غريبة عن الوطن ومشروعه، في حين أن أرقى معاني الوطنية يتمثّل في المقاومة ودورها وتضحياتها.
2. منح نوع مشروعية للعدوان الإسرائيلي، لأنهم بتوصيفهم المقاومة حالة أجنبية، يصبح ما يقوم به الإسرائيلي أنه يساعد لبنان، ولا يعتدي عليه، أي هو نوع تجميل للعدوان واحتلاله.
3. تسميم الوعي العربي والإسلامي، من خلال تشويه هذا النموذج المقاوم في أبعاده الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية، لحرمان الجمهور العربي والإسلامي من رؤية الحقيقة والتأثّر بها.
4. التغطية على إهمال السلطات الرسمية مسؤوليتها في الدفاع، وعلى تخلّي النظام الرسمي العربي، بل والإسلامي، عن واجبه في مواجهة المشروع الصهيوني وعدوانه، ولذلك لا يتقبّل هؤلاء وجود حالة مضيئة ومشرقة في العالم العربي تُسمى المقاومة.
5. استرضاء الراعي الغربي والأميركي، والتعبير عن التبعية له، والتماشي معه في ممارسة العداء للمقاومة إعلامياً وغيره.

إن قوى المقاومة في المنطقة -كما في لبنان- ليست ذراعاً لأحد، أو وكيلة عنه، بل هي حالة وطنية أصيلة، وُلدت نتيجة تخلّي السلطة الرسمية عن واجبها، وإهمالها لمسؤولياتها، وكان من الطبيعي لهذه المقاومة أن تبحث عمن يساندها ويعينها. ولمّا لم تبادر مجمل الأنظمة العربية إلى تقديم العون لهذه المقاومة -بل إن بعض هذه الأنظمة ينظر إليها بعين العداء- ووجدت في الجمهورية الإسلامية في إيران دولة ذات سيادة حقيقية، وحصانة من التبعية للغربي والصهيوني، ولديها الاستعداد لمدّ يد العون؛ كان من المنطقي أن تتقبّل حركات المقاومة هذا العون، وهو ما أفضى إلى نوع تحالف بين قوى المقاومة هذه، والجمهورية الإسلامية في إيران، باعتبارها «أمّ القرى» في هذا المشروع الحضاري المقاوم.

وعليه، هل يُعاب على حركات المقاومة أنها تقبلت العون من إيران، أم يُعاب على مختلف القوى والأنظمة أنها خانت، أو طبّعت، أو تخلّت عن وطنيتها وعروبتها وقيمها ومسؤولياتها، وانخرطت مع المشروع الأميركي-الصهيوني في المنطقة؟ وهل المطلوب من حركات المقاومة أن تقاتل، دون عونٍ من أحد، عدواً، يأتيه العون من كل حدب وصوب؟ وهل يمكن للمقاومة أن تواجه عدواً بهذه الإمكانات، دون أن يكون لها أكثر من عون ودعم؟ وهل كانت المقاومة الفرنسية ذراعاً لبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية؟ وهل كانت المقاومة الفييتنامية ذراعاً للصين وغيرها؟ ألَا نجد في مجمل النماذج التاريخية، ذات الصلة، أن أكثر من مقاومة قد استفادت من الدعم الخارجي لتحقيق أهدافها الوطنية؟ كيف يمكن أن نعي هذا الإمعان في تشويه المقاومة والانتقاص منها؟ ألَا ينتمي هذا الفعل إلى مقولة العمالة والإرجاف؟

إن المقاومة هي ذراع الوطن، حين فُقدت الذراع التي تحميه، وهي وكيلة عن عموم الشعب، وضمير الوطن، في الدفاع عنه وعن سيادته وكرامته، وإن كان من حديث عن وكالة وما شابه، فإن هذا الوصف أشد ما ينطبق، وبأسوأ صوره، على من ارتضى أن يكون وكيلاً عن الصهيوني، في تشويه المقاومة، وشيطنة دورها، وإعانة الإجرام الصهيوني عليها.

* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى