رأي

الحرب على إيران: ما لا يمكن للولايات المتحدة الأميركية تعويضه (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

عند دراسة حسابات الخسارة والربح في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وبعيدًا عن عنتريات ترامب ومواقفه المتقلبة، نجد أن أغلب الخبراء يتحدثون عن أن الولايات المتحدة الأميركية قد خسرت مجموعة طائرات حربية ومروحية، خصوصًا في محاولتها سرقة المواد النووية المخصبة وذلك في هجوم أصفهان، أو يتحدثون عن كلفة الحرب الاقتصادية عليها، أو في بعض التقارير عن خسائرها البشرية التي تُخفيها حتى الآن، وكذلك عن تدمير قواعدها في دول الخليج والتي استطاعت القوة الجيوفضائية من تدميرها بشكل كامل أو جزئي وإخراجها من المعركة لفترة طويلة قد تمتد لسنوات.

في المقابل عند الحديث عن خسائر إيران، يتحدث الخبراء عن تدمير جزء كبير من منظوماتها للدفاع الجوي، وكذلك تدمير جزء من قواتها البحرية، كما تدمير مراكز عديدة للجيش الإيراني وقوات الحرس الثوري، هذا عدا عن البنى التحتية في كثير من محافظات إيران، وبالطبع خسارتها الكبرى لقائد مسيرتها السيد علي الخامنئي، ومجموعة قادة من الصفين الأول والثاني.

في حسابات الربح تتحدث معظم التقارير العالمية أن إيران أمام خسارة كبيرة، وأن الولايات المتحدة الأميركية أمام واقع جديد سيفرض على إيران التنازل والقبول بالهزيمة ولو بأشكال وصيغ مخففة، وبغض النظر عن الواقع الذي ما زال يُشير إلى صمود إيران، وقدرتها على إيذاء الأعداء، واستثمارها في قطع إمدادات العالم عبر إغلاق مضيق هرمز الذي تبين أنه لا يتحكم فقط بأسواق النفط المعتادة، بل أيضًا بوقود الطائرات في العالم، وكذلك في موضوع الغاز المسال، وهذا الأمران على أهمية كبرى لكل دول العالم، عدا عن توقف مرور المنتجات المكررة مثل الديزل، البنزين، الوقود الثقيل، إضافة إلى المواد الكيميائية والبتروكيميائية كالميثانول والأسمدة والكبريت، والبوليمرات والألمنيوم، والهيليوم الذي يمر ثلث إنتاج العلم منه عبر هذا المضيق.

بعيدًا عن كل تلك الحسابات المادية التي يمكن للولايات المتحدة والعالم تعويضها خلال الأشهر والسنوات المقبلة، فإن هناك أمورًا قد خسرتها أميركا ولم ولن تتمكن من تعويضها أبدًا، ويأتي في طليعتها ثقة العالم بها، ويبدو ولأول مرة أن العالم لم يعد يثق بالولايات المتحدة الأميركية مطلقًا، فوجدنا دول العالم الغربي عامة وأوروبا خاصةً تتبرأ من سياساتها وتفردها في فرض إرادتها على الجميع، وبعضها رفع الصوت عاليًا ضد ما قامت به في إيران. فمواقف فرنسا وإيطاليا وألمانيا، وهي عمدة الاتحاد الأوروبي، كانت على طرف نقيض مع سياسات الولايات المتحدة الأميركية في إيران، بل حتى بريطانيا التي كانت فيما مضى دولة عظمى ثم أصبحت ذنبًا تابعًا للسياسة الأميركية، قد عارضت وبشدة أي إجراء عسكري ضد إيران ومنعت الولايات الأميركية المتحدة  من استخدام قواعدها العسكرية في الهجوم على إيران، فأوروبا لم تعد تثق بأميركا، بدأ ذلك من الحرب الدائرة في أوكرانيا، واليوم تأكد بشكل جلي في إيران، لذا وجدنا العديد من الدول الأوروبية تدعو إلى التكتل وإنشاء قوات عسكرية منفصلة عن النيتو، والابتعاد عن سياسات أميركا في كل أنحاء العالم، واتجه بعضها مباشرة إلى الصين لحماية مكتسباته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وطلب الساسة الأوروبيون مواعيد عاجلة مع زعيم الصين بدأها رئيس وزراء إسبانيا، وستكرّ سبحة الحاجين إلى الصين تباعًا، وكذالك فعلت كندا التي تتبع مباشرة في القضايا العسكرية إلى الولايات المتحدة الأميركية وتذهب ثلثا موازنتها العسكرية إلى البنتاغون، فقد بدأت التفكير بجيش عسكري مستقل يخضع لسلطتها السياسية. وعلى ذكر النيتو فلأول مرة أيضًا يرفض الدخول في الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية بشكل مباشر أو غير مباشر، أو حتى تشكيل قوة تساندها في تأمين فتح مضيق هرمز.

لا تبدو الدول الخليجية العربية بعيدة عن هذا الموقف الأوروبي، بل هي أكثر قناعة حاليًا بأن الولايات الأميركية المتحدة لا يمكن الوثوق بها مطلقًا، لا بكلامها، ولا بسياساتها، ولا بقوتها، التي تدمرت أمام أعينهم، وتبين لهم أن هذه القواعد لم تستطع حمايتهم، وسقطت عند أول إمتحان جدي لها، وهي بالأصل لم تستطع حماية نفسها، فكيف تحميهم؟ وهذه الدول أعلم بما حصل مع الآلاف من القوات الأميركية التي أصبحت مشردة في دولهم، تائهة في فنادقها، تناشد ساسة الدول الخليجية تأمين أماكن آمنة لهم، وبالتأكيد سيكون لهذه الدول جردة حساب مع السياسة الأميركية في المنطقة، وجدوى بقاء هذه القواعد على أراضيها، وقد فهمت هذه الدول أن الولايات المتحدة الأميركية قد ضحّت بهم وباستقرارهم وأمنهم على مذبح حفظ أمن وسلامة رأس حربتها في المنطقة وهي الكيان الغاصب في فلسطين المحتلة.

لقد مضى الزمن الذي كانت السياسة الأميركية موضع ثقة العالم، حينئذ كان يقودها جهابذة الفكر والدهاء، كهنري كيسينجر، وزبغينو بريجينسكي، وجيمس بيكر وغيرهم، الذين كانت كلماتهم تقع في آذان سياسيي العالم كنص منزّل من السماء، بل كان كلام أي سياسي أو مبعوث أميركي على أي مستوى بمثابة حقيقة واقعية وصحيحة، أما اليوم فإن أعظم مكسب حققته إيران هو كشفها زيف أولئك الساسة الأميركيين، ومدى خداعهم، وسلسلة طويلة من أكاذيبهم، ونظرتهم الدونية، ليس فقط لأعدائهم، بل حتى لحلفائهم وأصدقائهم وأصحابهم والتابعين لهم.

العالم بعد الحرب على إيران مهما كانت نتيجتها، ستغير وجه العالم بالتأكيد إلى عالم عديم الثقة بالولايات المتحدة الأميركية وساستها وسياستها، وستتفرق دول العالم من حولها، وتتكتل في أحلاف جديدة تحفظ مصالحها، بعيدًا عن أكاذيب الولايات المتحدة الأميركية، ودجلها، ومحاولتها سوق العالم نحو مزيد من الخراب والدمار.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى