رأيغير مصنف

سعد الحريري 2026: هل ينتقم من حلفائه القدامى بواقعية “الحلفاء الجدد”؟ (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

تحت سؤال “هل افرجت الرياض عن التيار الازرق ام بات في الفلك الاماراتي ام ما بين بين”، جاء خطاب سعد الحريري في 14 شباط 2026 ليفتح الباب امام قراءة مغايرة تماما لتوازنات القوة في لبنان.

فالرجل الذي استند في عودته الرمزية والسياسية الى سقوط نظام الاسد في سوريا وتبدل موازين القوى نتيجة الضغوط الاقتصادية والاقليمية، لم يعد يكتفي بمجرد الحضور الوجداني في ذكرى والده، بل بدأ يطرح تساؤلات جوهرية حول وجهته المقبلة في لحظة اقليمية شديدة التحول. والسؤال المركزي اليوم لا يتعلق بعودته بحد ذاتها، بل في تموضعه الجديد: هل يختار البقاء في “الوسط” كما تقتضي الحريرية التقليدية، ام انه بات اقرب الى حلفاء جدد لم يطعنوه بالظهر كخيار استراتيجي للرد على من غدروا به واستفادوا من ارث الحريرية السياسية خلال اعوام غيابه القسري.

ان المعادلة التي تحكم عودة الحريري اليوم ليست مجرد استعادة لزعامة مفقودة، بل هي محاولة لتصفية حسابات سياسية حكيمة مع “نخب” وقوى حاولت وراثة مقعده بتفويض خارجي او عبر تسلق جدران “السيادية” الزائفة. ويبدو ان الحريري يدرك بعمق ان هؤلاء الحلفاء الجدد الذين لم يطعنوه بالظهر كانوا الطرف الذي حافظ على الحد الادنى من قنوات التواصل معه ولم يسع لالغائه سياسيا بشكل جذري كما فعل بعض “اصدقائه” المقربين الذين سارعوا لتقديم انفسهم كبدلاء شرعيين في لحظة انكساره. وهذا التقاطع في المصالح قد يحول الخصومة التاريخية الى “تفاهم ضرورة” يهدف الى تطويق القوى التي انتفعت من تراجع التيار الازرق، ما يجعل تموضعه الجديد اقرب الى جبهة غير معلنة تحمي ما تبقى من التوازن الداخلي ضد محاولات الالغاء والوراثة القسرية.

وعلى مستوى العلاقة مع الرياض، يبرز تساؤل حاد حول مدى قدرة “النخب الجديدة” التي تدعمها المملكة على ملء الفراغ السنّي والوطني. فالسعودية انتقلت من مقاربة رعاية الزعامة التقليدية الى نهج مؤسساتي يدعم شخصيات مثل جوزيف عون ونواف سلام بوصفها خيارات عابرة للاصطفافات الحادة، لكن الحريري يراهن على ان هذه النخب تفتقر الى الجذور الشعبية والشبكات التنظيمية التي يمتلكها، ومن هنا يمكن فهم المسافة التي تحدث عنها بين الرياض وابو ظبي بوصفها محاولة للتحرر من نموذج “التفويض الكامل” والبحث عن دور “بيضة القبان” الذي يمنحه حصانة داخلية عبر التفاهم مع حلفاء جدد لم يطعنوه بالظهر، وحصانة خارجية عبر المظلة الاماراتية، ليواجه بها محاولات استبداله بوجوه لا تمتلك ارثا او تاريخا في الشارع.

ان التحدي المزدوج الذي يواجهه الحريري يكمن في كيفية تسويق هذا النهج البراغماتي لدى قاعدته الشعبية التي تعرضت لضغوط هائلة. فهو مطالب باقناع ناسه بان الانفتاح على اولئك الحلفاء الجدد الذين لم يطعنوه بالظهر هو السبيل الوحيد لاستعادة الدور المسلوب من “الغادرين” في الداخل الذين استثمروا في الانهيار المالي منذ 2019 لتفتيت قاعدته. فالمعركة لم تعد معركة سلاح او سيادة بالشعارات القديمة، بل أصبحت معركة بقاء سياسي في وجه مشروع انهاء “الإرث الحريري” من جذوره، ومن ينجح في قيادة هذه المرحلة هو من سيمسك بمفاتيح المستقبل، خصوصا وان الرياض تتعامل مع لبنان كملف ثانوي ضمن استراتيجية اوسع، ما يمنح الحريري هوامش مناورة اوسع اذا أثبت قدرته على حماية الاستقرار وتأمين توازنات جديدة.

وفي ما يتعلق بالبنية السياسية، فإن الرهان على “التعاطي العقلاني” مع الصراع يتطلب من الحريري ومن النخب الجديدة على حد سواء، تقديم خطاب اقتصادي واقعي وقدرة على تشكيل تحالفات عابرة للطوائف. فالمواطن اللبناني الذي انهكته الازمات لم يعد يكترث بالولاءات العاطفية بقدر ما يكترث بالحلول الملموسة، وهنا تبرز فرصة الحريري في اعادة انتاج نفسه كقائد “انقاذي” يتجاوز جراح الماضي ليصيغ تفاهما مع القوى الفاعلة على الارض، وتحديدا مع الحلفاء الجدد الذين لم يطعنوه بالظهر، لقطع الطريق على اولئك الذين بنوا امجادهم على انقاض غيابه.

 ان انتقال الساحة اللبنانية من زمن الزعامات الكاريزماتية الى زمن التوازنات المدروسة يفرض قواعد لعبة جديدة، والحريري يبدو اليوم اكثر استعدادا للعب هذه الادوار بذكاء سياسي لم يكن معهودا فيه من قبل.

في المحصلة، فإن الرياض امام خيار استراتيجي: إما الاستثمار في مسار طويل لاعادة بناء الدولة عبر دعم مؤسساتها وشخصيات اصلاحية جديدة، وإما قبول الامر الواقع الذي يفرضه حضور الحريري القوي وقدرته على عقد تفاهمات صلبة مع القوى المحلية. وحتى الان تشير المعطيات الى ان الخيار الاول هو المرجح سعوديا، لكن نجاحه مرهون بقدرة تلك النخب على التحول الى مشروع وطني حقيقي، وفي حال فشلها فان الحريري سيكون الجسر الوحيد المتبقي لتأمين الحد الادنى من التوازن، وبذلك تتحول عودته من مجرد ذكرى الى عملية “تصحيح” سياسي لكل من خان “الخبز والملح” الحريري، ليحدد هو وحده شكل المرحلة اللبنانية المقبلة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى