لا قرض .. بلا رؤية اقتصادية مالية شفافة (أسامة مشيمش)

بقلم د.أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز
في خضم الحديث عن نية الدولة اللبنانية الاقتراض بقيمة 250 مليون دولار أميركي من صندوق النقد الدولي، يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز فوقه: ما هي الآلية الواضحة والشفافة التي ستُعتمد لإنفاق هذا القرض؟ وأي قطاعات ستستفيد منه فعليًا؟ إن غياب خطة تفصيلية معلنة للرأي العام حول أوجه الصرف، يضعف الثقة المسبقة بجدوى هذا التمويل، خصوصًا في ظل تجربة مالية مريرة عاشها اللبنانيون خلال السنوات الماضية.
من حيث المبدأ، لا يُقاس أثر أي قرض بحجمه الرقمي فقط، بل بقدرته على تحفيز النمو الحقيقي، وتحريك عجلة الإنتاج، وخلق قيمة مضافة مستدامة في الاقتصاد الوطني. غير أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن هذا القرض سيُوظَّف ضمن رؤية إصلاحية شاملة تعالج مكامن الخلل البنيوي في المالية العامة، ولا سيما في قطاعات الكهرباء، والجباية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحفيز القطاعات الإنتاجية.
في المقابل، أقرّ مجلس الوزراء زيادات مالية على مجموعة من الرسوم والتكاليف المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطن اللبناني، مع تسجيل تحفظ وزيرين فقط. هذه الزيادات، وإن قُدِّمت تحت عنوان تصحيح مالي أو تعزيز إيرادات الدولة، إلا أنها عمليًا تُحمّل المواطن أعباءً إضافية في ظل انهيار القدرة الشرائية وتآكل الرواتب. فالرسوم المرتبطة بالخدمات الأساسية والسلع الاستهلاكية تنعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة السلة الغذائية اليومية، ويُفاقم من حالة التضخم النقدي القائمة أصلًا.
إن التضخم في لبنان ليس مجرد ظاهرة رقمية في تقارير إحصائية، بل هو واقع يومي يعيشه المواطن في فاتورة متجره، وفي فاتورة استشفائه، وفي قسط مدرسته. وأي سياسات مالية تزيد من كلفة الاستهلاك دون أن تقابلها سياسات إنتاجية تحفّز العرض وتدعم النمو، ستؤدي حتمًا إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر.
بوصفي خبيرًا ماليًا، أرى أن المعالجة الحقيقية لا تكون فقط عبر الاستدانة، بل عبر إدخال سيولة خارجية منتجة تُضخ في مشاريع إعادة الإعمار والبنى التحتية والقطاعات الحيوية. وفي هذا السياق، فإن السماح بدخول مساعدات غير مشروطة لإعادة الإعمار يمكن أن يشكّل رافعة فعلية للاقتصاد، شرط أن تُدار ضمن أطر مؤسساتية شفافة وخاضعة للرقابة. فالمساعدات التي تُوجَّه مباشرة إلى مشاريع إنتاجية وإنمائية، تُسهم في تنشيط السوق، وتوفير فرص عمل، وتعزيز الثقة، وإدخال عملات أجنبية إلى الدورة الاقتصادية.
إن ضخ العملة الأجنبية في الاقتصاد عبر قنوات استثمارية حقيقية، لا استهلاكية عابرة، من شأنه أن يخفف الضغط على سوق القطع، ويحدّ من تقلبات سعر الصرف، ويساهم تدريجيًا في استقرار الليرة. أما الاكتفاء بالاقتراض لسد عجز مرحلي دون إصلاح جذري، فهو أشبه بتأجيل الأزمة لا حلّها.
إن لبنان اليوم أمام خيارين واضحين: إما الاستمرار في سياسات مالية ترقيعية تزيد العبء على المواطن، أو الانتقال إلى مقاربة إنقاذية شجاعة تضع الإنتاج، والإعمار، وتحفيز الاقتصاد الحقيقي في صلب الأولويات. والتاريخ لن يرحم من يضيّع الفرصة مرة جديدة.


