رأي

الخليج بين هواجس الوجود ومآلات “المشروع الإبراهيمي” (أسامة مشيمش)

 

بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

للمرة الأولى منذ عقود، تبدو الأنظمة الخليجية في حالة استشعار حقيقي لخطر وجودي يطال مستقبلها السياسي ودورها الإقليمي. هذا الاستشعار لا ينبع فقط من تصاعد التوتر العسكري في المنطقة، بل من إدراك متأخر لطبيعة المشروع الذي تسوّقه الولايات المتحدة تحت مسمّى «المشروع الإبراهيمي»، والذي يتجاوز مسألة التطبيع السياسي ليطال إعادة هندسة الشرق الأوسط سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

السؤال الجوهري الذي بات يُطرح في الكواليس الخليجية، وربما خلف الأبواب المغلقة، هو: من يحكم الشرق الأوسط بعد سقوط النظام الإيراني – إن حصل ذلك؟ وهل ستكون الأنظمة الخليجية شريكًا فعليًا في مرحلة ما بعد إيران، أم مجرد أدوات عابرة في مشروع أكبر تقوده إسرائيل برعاية أميركية؟

هنا تبرز معضلة حقيقية. فإسرائيل، بقيادة حكومة يمينية صهيونية دينية متطرفة، لا تنظر إلى نفسها كدولة طبيعية ضمن الإقليم، بل كمركز ثقل يجب أن يُمسك بمقاليد القرار السياسي والأمني في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يصبح التساؤل مشروعًا: هل سيسمح بنيامين نتنياهو، أو المنظومة الصهيونية الحاكمة، لـ«أبناء الصحراء» – وفق النظرة الاستعلائية السائدة في الفكر الصهيوني – بتقلّد سدة الحكم الإقليمي أو بلعب دور قيادي مستقل؟ وهل يسمح المعتقد الديني الصهيوني أصلًا بشراكة حقيقية مع أنظمة عربية، أم أنه لا يرى فيها سوى أدوات وظيفية مرحلية؟

الجواب، وفق منطق هذا الفكر وتجربته التاريخية، هو: كلا.

على وقع هذه القناعة، شهدنا خلال الأيام القليلة الماضية تطورات متسارعة وغير مسبوقة في مستوى التواصل بين ملوك وأمراء ومشايخ الخليج والجزيرة العربية وبين الإدارة الأميركية. مبادرات اتصال شخصية، ورسائل مباشرة، ومحاولات ضغط ناعمة تهدف إلى التراجع عن خيار ضرب إيران أو على الأقل تأجيله. فهذه الأنظمة باتت تدرك أن الهدف الأول لأي حرب واسعة على إيران ليس «أمن الخليج» ولا «استقرار المنطقة»، بل فتح الطريق أمام هيمنة إسرائيلية شاملة.

السبب الثاني، وربما الأكثر إلحاحًا، هو الخشية الواقعية من أن تتحول دول الخليج إلى ساحة ردّ مباشر. فالقواعد الأميركية المنتشرة على أراضيها تجعلها هدفًا مشروعًا في أي مواجهة كبرى. والنتيجة المتوقعة ليست فقط اهتزاز الاستقرار، بل دمار واسع قد تخرج على إثره هذه الدول بمليارات، بل آلاف المليارات من الخسائر الاقتصادية، ما يهدد نماذجها التنموية نفسها.

من هنا، يمكن فهم التقدير القائل إن الحرب قد أُجّلت، أو ربما أُسقطت مرحليًا. لكن الأهم من ذلك هو ما كشفته هذه اللحظة: المكانة الحقيقية لدول الخليج في ميزان القرار الأميركي. فهل هي شريك فعلي في صناعة القرار، أم تابع يُستشار حين تتقاطع المصالح، ويُتجاوز حين تحين ساعة الحسم؟

المنطقة تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، وما يجري خلف الكواليس لا يقل خطورة عمّا يُعلن في العناوين. أما الغد، كما يقال، فلن يكون بعيدًا عن أنظار المترقّبين.

إن غدًا لناظره قريب!

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى