رأي

قيادة الجيش بين مطرقة الاحتلال وسندان الضغوطات السياسية (أحمد موسى)

 

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

 الخامس والعشرون من أيار ليس وليد لحظة قرار سياسي اتخذه رئيس وزراء العدو إيهود باراك، بل هو نتيجة تراكم مواقف سياسية وعسكرية ووطنية عبر سنوات عديدة أدت إلى ذلك.

فمنذ العدوان الصهيوني على لبنان في العام 1996 الذي أوصل إلى اتفاق نيسان، والذي أرغم جيش الاحتلال على تجنّب قصف المدنيين، وحفظ حق لبنان بالرد على اعتداءاته – كان لرئيس الوزراء اللبناني الشهيد رفيق الحريري الدور البارز في صياغته – مرورًا بالدعم الذي تلقته المقاومة من حكومته، وحكومة الرئيس الراحل سليم الحص، وصولًا إلى الدعم المطلق من فخامة رئيس الجمهورية إميل لحود، وموقف قيادة الجيش الوطني، وتوازيًا مع العمل المقاوم العسكري والسياسي، كل ذلك أدى إلى الهروب الكبير لجيش الكيان الصهيوني من الأراضي اللبنانية عام 2000، وقد صيغ الدعم تحت معادلة (الجيش والشعب والمقاومة).

 والشعب هنا وإن كان المتبادر منه هو الناس، إلا أنه بالتأكيد يتضمن رئاستي الجمهورية والحكومة، كونهما منتخبتين من هذا الشعب، وإن بطريقة غير مباشرة، لذا فإن هذه المعادلة لا تستثني القيادات الرسمية والوطنية، فهي من صلب هذا الشعب وتعبّر عنه.

نعيش في هذه الأيام وضعًا هو أقرب ما يكون إلى زمن الاحتلال الصهيوني لجزء من أرضنا، بما سُمّي يومها بالشريط الحدودي، وهو شريط أريد منه أن يكون منطقة عازلة على الحدود مع فلسطين المحتلة، وذلك بموافقة وتأييد وتواطؤ أمريكي وأوروبي، وإلا لكانوا ألزموا العدو بالانسحاب تنفيذًا لقرار مجلس الأمن 425.

واليوم يُطرح الأمر بنفس الهدف، وإن تغيّرت الصيغة المقترحة، وهي منطقة خالية من السكان، وكذلك مع تأييد وتواطؤ أمريكي أوروبي، وهذه المرة عبر تشكيل قوات أوروبية من دون الرجوع إلى مجلس الأمن، ولو كان قرارهم غير ذلك لما رضوا أن يكونوا جزءًا من هذه القوات العسكرية التي هدفها تثبيت فكرة المنطقة العازلة على الأراضي اللبنانية. أما على الساحة اللبنانية فما زالت المقاومة حاضرة تُقاتل العدو، وتُنزل به الخسائر اليومية، تقتل وتجرح جنوده وضباطه، حتى ارتفع صراخ قادة جيش العدو بإيجاد حل سياسي لهذه المعضلة، وبدأت الأصوات تعلو في الداخل الصهيوني بالخروج من حزام الموت الجديد، وما زال الجيش اللبناني الوطني قيادةً وضباطًا ملتزمًا بالدفاع عن هذه الأرض، وحماية شعبه، وتحرير أرضه من العدو، وما زال معظم الشعب اللبناني يرى أن المقاومة والجيش وصمود الشعب هو الطريق الأفضل لتحرير الأرض، وعودة الناس إلى قراهم وبيوتهم من دون تقديم أية تنازلات تنتقص من السيادة الوطنية.

ما هو متغيّر اليوم على الساحة اللبنانية هو أن ممثلي الشعب تخلّوا عن واجبهم الوطني بتحرير الأرض ، والذي أثبت التاريخ اللبناني القريب أنه يمكن أن يحقق ذلك، ويذلّ العدو، ويطرده كما فعلت شعوب ومقاومة وجيوش الكثير من البلدان في العالم .

 لقد فقدت رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء البوصلة الحقيقية لتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية، وأخذت قرار الاستسلام لأهواء العدو وللكذبة الدبلوماسية الدولية التي لا تحترم إلا الأقوياء، وتفرض شروطها المذلة على الضعفاء في كل بلدان العالم. ويبرّر الرئيسان ذلك بأن الظروف وموازين القوى لا تسمح إلا باتخاذ هذا الموقف، وأن مرادهم هو تحرير الأرض وتحقيق السيادة. لكن شتّان بين تحرير تفوح منه رائحة القوة والعزة، وبين تحرير مغمس بتجاوز شهداء الوطن من الجيش والشعب والمقاومة، إن تحقق. وشتّان ثانية بين رئيس وزراء كالشهيد رفيق الحريري والرئيس سليم الحص اللذين كانا صخرة في مواجهة العدوان، وسدًا منيعًا بوجه مؤامراته وأحلامه، وبين رئيس الوزراء الحالي الذي لا نسمع منه إلا كلمات الضعف والارتهان والاستكانة لكل ما يطلبه الأمريكي إن لم نقل الصهيوني – وهو لا يفتأ يستخدم ويكرر نفس كلماتهم ومطالبهم حتى ليختلط علينا الأمر. وشتّان ثالثة بين الرئيس المقاوم إميل لحود الذي كان الداعم الدائم لجيشه ومقاومته وشعبه، ورفض كل الإغراءات والأكاذيب التي كانت تُتلى على مسامعه من الوسطاء الأمريكيين والأوروبيين، وبين الرئيس جوزيف عون الذي ينأى بنفسه عن مواقف جيشه ومقاومة شعبه، ويرى أن أمريكا هي خشبة الخلاص.

في ذكرى التحرير عام 2000، لا بد من توجيه التحية والتقدير لشهداء جيشنا اللبناني الذين ما بخلوا بدمائهم في سبيل التحرير يومها، وما زالوا حتى اليوم على ثبات مواقفهم رغم كل التضحيات العظيمة التي قدموها، وعلى وفائهم لشعبهم، وحفاظهم على شرف السيادة والاستقلال وعدم التبعية. ولا يمكننا إلا توجيه الشكر والامتنان لقيادة جيشنا اللبناني على مواقفها الصامدة بوجه كل المغريات والضغوط والمؤامرات، وما زالت وفيّة لقسمها في الحفاظ على الوطن، سواء في وجه المؤامرات الخارجية أو الداخلية. ونتوقف بإجلال أمام الرؤية الوطنية التي يُعبّر عنها قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وليس آخرها ما قاله في ذكرى التحرير عندما أعاد التأكيد على أن “عيد المقاومة والتحرير محطة تجسّد فيها تمسك اللبنانيين بأرضهم وسيادتهم وكرامتهم الوطنية في مواجهة الاحتلال، مؤكدًا أن الجيش اللبناني يبذل أقصى قدرته في ظل ظروف معقدة وأخطار كبيرة، بهدف التخفيف من آثار العدوان والوقوف إلى جانب المواطنين، ولا سيما النازحين والصامدين”.

إنّ خطاب قائد الجيش في هذه المناسبة يُمثّل الخط الوطني الأصيل، ويُمثّل رؤية وطنية حقيقية لما يجب أن يتبناه رؤساؤنا ووزراؤنا ونوابنا وزعماؤنا، وهو صاغه بعبارات القوة والعزة والكرامة الوطنية، قائلًا: “رسالتنا واضحة … سيكون الجيش السد المنيع في وجه المؤامرات التي تدفع نحو زعزعة الاستقرار والسلم الأهلي، وسيبقى الجيش حارسًا للوحدة الوطنية، والأمل الكبير في استعادة كل شبر من أرضنا في حين يُعطي اللبنانيون بتضحياتهم المثال في الإرادة والصمود”.

في ذكرى عيد المقاومة والتحرير، لا خوف على لبنان بوجود هذه القيادة الحكيمة على رأس قيادة جيشنا الوطني، ووجود مقاومتنا الباسلة المجاهدة، وشعبنا الصامد الصابر المضحي، وإن التحرير لناظره لقريب.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى