نقاش في العلاقة التركية – الإسرائيلية : بين المبادئ والمصالح !(أحمد حوماني)

بقلم د.أحمد حوماني – الحوارنيوز
إذا أردنا أن نُعدد الدول الإقليمية الكبرى، فبالتأكيد تركيا وإيران ومصر من أهمها، فهذه الدول الثلاث سبق لها أن كانت إمبراطوريات عظيمة في التاريخ، وأصحاب حضارات أسهمت في هذا التطور الإنساني والاجتماعي، سواء كان ذلك قبل الإسلام أم بعد ظهوره وتشكله في خلافة إسلامية رائدة.
وفي العصر الحالي تُشكّل هذه الدول الثلاث ركيزة التوازن السياسي في منطقة غرب آسيا، ويحاول الكيان الصهيوني وضع نفسه بمستوى هذه الدول السياسي والاجتماعي، بل ومنافستها في الهيمنة والسيطرة واثبات الوجود، وقد استطاع هذا الكيان إبعاد مصر عن عمقها العربي، وتحجيم دورها في أحداث المنطقة، وإلهائها بمشاكلها الاجتماعية الخاصة، كما دعم إثيوبيا في تحكّمها في شريان مصر الحياتي، وهو نهر النيل، بإنشاء سد النهضة.
بقي الدور الإيراني والتركي الهاجس الأكبر للمشروع التوسعي لهذا الكيان الغاصب. وفيما إنصب الجهد الصهيوني والأمريكي على حصار إيران الاقتصادي والسياسي وتشويه صورتها – وقد ساعدته على ذلك بعض الدول العربية والخليجية – وصولًا إلى الحرب العسكرية التي تخوضانها ضد إيران بشكل مباشر في محاولة لإنهاء دورها في المنطقة ، يبقى الدور التركي الذي ينظر إليه الكيان الصهيوني بريبة وشك كبيرين، وهو يتهم تركيا بأنها تسعى إلى محاولة إحياء الخلافة العثمانية، بما يعني ذلك من إحكام الخناق حول هذا الكيان المجرم.
وهنا يبرز السؤال الأهم، ما سرّ هذه العلاقة بين النظام الصهيوني والنظام التركي؟ وهل فعلًا يوجد عداء بينهما ؟ ونقصد بالعداء الوجودي بمعنى أن تركيا تنظر إلى الكيان الصهيوني ككيان غاصب لفلسطين، وكيان مجرم وقاتل وعنصري في لبنان وسوريا وغيرهما من الدول؟ أم أن هذا العداء ليس إلا صراعًا على النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة؟.
لقد صفق العالم الإسلامي لوصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا في العام 2002، واعتبر البعض أن الوقت قد حان لنهضة إسلامية تُعيد للخلافة الإسلامية دورها ورونقها، كما أن تركيا ستكون السند الأساسي للدول العربية والإسلامية للتخلص من الكيان الصهيوني الرابض على قلب الأمة منذ العام 1948، بل أن تركيا ستقود الأمة لتحرير الأرض المغتصبة وإعادة حقوق الشعب الفلسطيني والانتقام لكل الشهداء المسلمين والعرب الذين سقطوا في مواجهة هذا العدو. لكن ذلك لم يحدث، ما شكّل صدمة لكل المحبين لتركيا ولوجهها الإسلامي الجديد.
أولًا لا بد من الإشارة إلى أن تركيا هي الدولة الاسلامية الأولى التي اعترفت بالكيان الغاصب منذ العام ١٩٤٩، واستمر هذا الاعتراف حتى بعد مجيء حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة في العام ٢٠٠٢، واستمر حتى العام ٢٠٢٤ عندما أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان قطع العلاقات بسبب الحرب على غزة – هذا هو السبب المعلن – وبالرغم من قراره قطع العلاقات التجارية، إلا أن الواقع يُشير إلى استمراره ولو بطرق ملتوية، وخلال الأشهر الثلاث الماضية شهدت العلاقات توترًا ملحوظًا في خطابات القادة من كلا الجانبين، مع أن الوضع في غزة خرج من حماوته العسكرية، والوضع الساخن هذه الفترة هو بين إيران والعدو الصهيوني، فهل هذا التوتر ناشيء بسبب دعم تركيا لإيران؟ بالتأكيد لا، فهي لم تعلن ذلك كما أنه لا مصلحة لتركيا بانتصار أي من الطرفين، وهي تأخذ جانب الحياد مع تشديدها على التعاطف مع دول الخليج عند استهداف إيران للقواعد الأمريكية فيها.
في الظاهر تبقى سوريا هي ساحة الصراع، هذا الأمر قد يكون الأقرب إلى الصحة إذ أن سوريا تتوسط جغرافيًا بين النظامين، وفيما هيمنت تركيا على الشمال السوري وصولًا إلى حلب وجوارها، احتل الكيان الصهيوني جزءًا واسعًا من الجنوب السوري، خصوصًا المواقع الاستراتيجية المهمة عسكريًا وتكنولوجيًا. هذا التوسع العسكري الصهيوني لم يستفز الجانب التركي ولم يواجهه ولو بالسياسة، وتركيا بالاضافة إلى هيمنتها على مناطق الشمال الواسعة ووجودها العسكري بها، هي عراب القيادة الجديدة في سوريا ومن تحت كنفه انطلقت، والنقطة الأكثر حساسية لها في سوريا هو وضع الأكراد في الشمال، حيث تعتبرهم مصدر إزعاج وخطر على وحدة الأراضي التركية، نظرًا لعمقهم الديمغرافي في تركيا وتخوفها الدائم من قيام دولة كردية تقتطع جزءًا من أراضيها. إذن في سوريا يبدو أن ستاتيكو المصالح المشتركة بين تركيا والكيان الصهيوني هو الطاغي.
آخر التصريحات من الجانبين حول العلاقة بينهما تبرز نوعية الخلافات، ففي آخر حديث له أكد الرئيس التركي “أن أمن تركيا القومي يمتد من حلب ودمشق إلى بيروت”، محذرًا من “أن البلطجة الإسرائيلية، والتحركات العسكرية في سوريا ولبنان باتت تُشكل تهديدًا مباشرًا للأراضي التركية”. كما صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ب “أن حكومة نتنياهو ليست مشكلة لتركيا فقط بل عبء على المنطقة والأمن الدولي”، متوعدًا إسرائيل “بدفع ثمن باهظ إذا عادت الإبادة الجماعية في غزة”.
ورد نتنياهو على تصريحات أردوغان متهمًا إياه بأنه “دكتاتور يدعو علنًا إلى تدمير إسرائيل، وأنه يقود نظامًا مُعاديًا للولايات المتحدة”، فيما حذر عميحاي شيكلي وزير الشتات من “أن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين إسرائيل وتركيا أصبح واردًا جدًا”، معتبرًا “أن الخطاب التركي الأخير مؤشر مقلق لتدهور العلاقات”. أما إيلي كوهين وزير الطاقة فقد “أكد علناً على ضرورة منع تركيا من الحصول على مقاتلات F-35 والأسلحة المتطورة لضمان احتفاظ إسرائيل بتفوقها الأمني والعسكري في المنطقة”.
هذه صورة نقاط الخلاف بين تركيا والكيان الصهيوني وهي تتمحور أساسًا حول الهيمنة والنفوذ السياسي والاقتصادي، وكل الأصوات التي تخرج من تركيا عن أحداث سوريا ولبنان تقع في سياق توسيع هذا النفوذ، وليس بسبب عداء مستحكم بين الطرفين.
ما لا يُتحدّث عنه في الاعلام العربي أن الصراع بين تركيا والكيان الصهيوني ملعبه الأساسي هو بحر إيجه والبحر المتوسط، وأساسه هو صراع يتمحور بين تركيا واليونان حول ترسيم الحدود البحرية، ومصادر الطاقة، والمجال الجوي في بحر إيجة، ويلعب الكيان الصهيوني دورًا محوريًا في مواجهة النفوذ التركي عبر تحالف إقليمي استراتيجي مع اليونان وقبرص، والذي يشمل التعاون العسكري ومشاريع الطاقة المشتركة لضمان تصدير الغاز لأوروبا ومواجهة سياسات أنقرة.
هنا نقطة الخلاف الرئيسية بينهما، وعندما يعلو صوت أحدهما فبسبب قرارات وتغيرات حدثت في هذه النقاط البحرية، حيث استغل الكيان الصهيوني هذه الخلافات فدعم شراكته مع اليونان وقبرص (تحالف إيست ميد) لمواجهة النفوذ التركي المتصاعد، وهو يرى في أثينا حليفًا رئيسيًا لردع أي تمدد بحري تركي، وهو ما عزز التعاون الاستخباراتي والعسكري وعقود التسليح المتبادلة، وردت تركيا عبر توقيع اتفاق ترسيم بحري مع ليبيا، في خطوة هدفت إلى منع تثبيت خريطة بحرية تُقصيها عن مشاريع الطاقة في البحر المتوسط، واعترضت على الاتفاق بين لبنان وقبرص لأنه يتجاهل حقوق قبرص التركية، كما لم تنظر بعين الارتياح إلى ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والكيان الصهيوني. كل ذلك أشعر تركيا أنها مستهدفة وهناك من يحاول خنقها، ومنعها من فرض هيمنتها على مصادر الطاقة في البحر المتوسط، لذا تحولت هذه الخلافات بين الكيان الصهيوني وتركيا إلى صراع أوسع حول الهيمنة الإقليمية، حيث تتخوف تركيا من قيام حلف يجمع خصومها لفرض حصار استراتيجي عليها، في حين تستثمر الكيان الصهيوني في الجبهة اليونانية كجزء من استراتيجية الاحتواء.
نعود إلى الواقع العملي في منطقتنا، فلو كان سبب توتر العلاقات هو فلسطين لشهدنا دعما تركيا فعليا لحركات المقاومة في غزة والضفة الغربية، ولعلا الصوت التركي في المحافل الدولية، ولهددت تركيا بالتدخل عسكريًا، والكل يعلم وزن تركيا العسكري في المنطقة وقدرات جيشها البرية والجوية والبحرية. وخلال أكثر من سنتين لم تحرك تركيا ساكنًا لإنقاذ أهل غزة الذين تعرضوا للقتل والتهجير والإبادة. ولو كان لبنان لبان أيضًا، حيث لم نسمع ولو إدانة لما فعله العدو الصهيوني في جنوب لبنان من قتل ودمار. ولو كانت سوريا لاتخذ موقفًا متشددًا ضد العدوان الصهيوني الذي احتل مساحات واسعة من الجنوب السوري، نعم سوريا هي جزء من صراع النفوذ والهيمنة، لكن الطرفين يعلمان أن اللاعب الأساسي في سوريا هو أمريكا، لذا يتساكنان تحت هذا السقف مع حفظ مصالحهما.
كانت تركيا أمام فرصة تاريخية لقيادة العالم الإسلامي لو أحسنت استغلال الفرص التي سنحت لها في غزة ولبنان وسوريا، أو لو صدقت في ما تتحدث به عن ودّها ودعمها لهؤلاء، أو لو قرنت القول بالفعل في كل تصريحات قادتها عن العدو الصهيوني ، لكن كيف لها ذلك وهي تجلس في حضن حلف الناتو، وتترجى الدول الأوروبية لضمها إلى الإتحاد الأوروبي، وعلى أراضيها عدد كبير من القواعد الأمريكية العسكرية ومراكز الرصد والانذار المبكر، وقواعد التجسس وجمع المعلومات، التي تتشارك نتاجها أمريكا مع الكيان الصهيوني. ولو التفتت إلى عمقها الإسلامي من باكستان إلى إيران، ومن المملكة العربية السعودية إلى العراق، لشكّلت قوة عسكرية أعظم من قوة الناتو، ولجمعت إتحاد دول يُغنيها عن الإتحاد الأوروبي، ولفرضت حلًا عادلًا للقضية الفلسطينية، لكنها لم تفعل، والسؤال لماذا لم تفعل ذلك؟



