سياسةصحفمحليات لبنانية

الاعتكاف القضائي يفتح باب التفلّت أمام الأجهزة الامنية

 

الحوارنيوز – الاخبار

تحت هذا العنوان كتبت صحيفة الأخبار تقول:

 

صحيح أن المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان لم يكترث لملاحظات وتحذيرات قانونيين من خطورة المذكرة التي أعطى بموجبها قطعات قوى الأمن الداخلي الحق بتنفيذ مهام الضابطة العدلية لدى تعذّر الاتصال بالنيابات العامّة أو تمنّعها عن إعطاء إشارة قضائيّة. إلا أن الأمر لم يكن ليمر مرور الكرام لدى عدد غير قليل من القضاة الذين تداولوا أمس على مجموعات الـ«واتساب» الخاصة بهم بالمذكرة التي نشرت «الأخبار» تفاصيلها السبت الماضي. وقد تنوعت ردود فعلهم بين اعتبار ما يقوم به عثمان «ضرباً من الجنون» لا يحصل في أي دولة قانون ومؤسسات، وبين من وصف المدير العام لقوى الأمن الداخلي بأنه يتصّرف وكأنّه «فرعون زمانه».

لكن الأمر لا يقتصر على ما فعله عثمان، بل يتصل بالذريعة التي وفرها القضاة أنفسهم لمدير عام قوى الأمن للقيام بما يريده. ذلك أن هؤلاء باتوا في إجازة دائمة بحجة الوضع المعيشي. وبمعزل عن أحقية المطالب، فإن تعديلات فعلية طرأت على المداخيل الخاصة بالقضاة، تسمح بتنظيم العمل بصورة لا تتيح للضابطة العدلية الحلول محل النائب العام، لأن الأمر لن يقتصر على قوى الأمن الداخلي بل سرعان ما ستعمل به بقية القوى الأمنية والعسكرية والأجهزة.
وكان النقاش في هذا الامر فُتح قبل مدة، عندما أوقف مشتبه فيه في الدامور بارتكاب عملية سرقة بواسطة الخلع والكسر. ولدى اتصال الضابط المسؤول بالنائب العام المناوب جاءه الجواب «لا إشارة»، فقرر عدم تحمل مسؤولية التوقيف وأطلق سراح الموقوف قبل أن تعمد قيادة قوى الأمن إلى إخضاع الضابط للمساءلة. لكنها بررت ضمناً ما قام به بسبب امتناع القضاة عن القيام بواجباتهم.
ومع ذلك فإن الأجواء الموجودة لدى قضاة كثر تقول بأنه «لا يجب أن تمر المذكرة مرور الكرام»، وأكد قضاة أنهم يستعدون لتحرّك تصعيدي لوقف تنفيذ المذكّرة، لكنهم كانوا حريصين على معرفة الموقف الحقيقي للنائب العام التمييزي القاضي غسّان عويدات الذي يبدو أنّه في صدد إصدار «موقف حازم» اليوم، بعد ما نُقل عنه إلى من يعنيهم الأمر بأنّ «المذكّرة لا تستقيم بوجود النيابات العامّة».

عويدات في صدد إصدار «موقف حازم» اليوم ونُقل عنه أنّ مذكّرة عثمان لا تستقيم بوجود النيابات العامّة

وعليه، يترقّب القضاة موقف عويدات الذي يُعدّ رئيس النيابات العامّة ورئيس الضابطة العدليّة ومن ضمنها قوى الأمن الداخلي، «ونحن واثقون بأنه لا يرضى بهذه المخالفة القانونيّة وسيتحرّك لوضع حد لهذه التجاوزات»، مرجّحين أن يصدر مذكّرة تقضي بإبطال مذكّرة عثمان أو تعميم مذكّرة على القطعات الأمنية تطلب منها عدم توقيف أي مشتبه فيه من دون إشارة قضائيّة.
بالنسبة للقضاة، فإن عويدات «لن يتقاعس عن القيام بما يمليه عليه القانون». مع ذلك، وضعوا «خطة ب» للتصعيد في حال لم يتحرّك. أولى الخطوات ضمن هذه الخطة التوجّه إلى مجلس شورى الدولة للمطالبة بوقف تنفيذ المذكّرة. فيما يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك مطالبين بتقديم دعوى جزائيّة ضد عثمان الذي «يتجرأ على مخالفة القانون. وهو مرّة يتمنّع عن تطبيق القرارات القضائية ويسمح لنفسه باستخدام صلاحية تفسير القوانين، ومرّة يأمر عناصره بفتح تحقيق مع نائب عام بعد كسر إشارته القضائية، وآخرها ما قام به بشأن رفع رسوم الاستحصال على سجلٍ عدلي من دون قانون»! ويتهم هؤلاء عثمان بأنه «فاتح على حسابو» ويجب على المراجع القضائية والمسؤولين وضع حد لتصرفاته. أما العتب الأكبر للقضاة فهو على وزيري الداخلية والعدل اللذين لم يتحرّكا لردع عثمان، وهما أساساً قاضيان عملا في القضاء الجزائي وكانا رئيسي محاكم جنايات.

وتحت عنوان: اعتكاف القضاة ينتظر «passe» السلطة

كتبت ندى أيوب تقول:

 

بعد ثلاثة أشهرٍ على اعتكافهم الشامل، يبحث القضاة عن حجّة للنزول عن الشجرة. فلا هم قادرون على الاستمرار في الإضراب ولا يملكون ترف التراجع فارغي اليدين حفاظاً على ماء الوجه. عبثية الوضع دفعت قسماً كبيراً منهم إلى التفكير جدياً في جدوى الاستمرار في الاعتكاف الذي، على ما يبدو، سينتهي تدريجاً بخروقاتٍ من هنا وهناك.

وفيما يرجح أن يرحّل القضاة البت في مصير اعتكافهم إلى العام المقبل، تشير الأجواء إلى «حالة من الضياع». ففي وقت أدارت السلطة ظهرها لهم تماماً، لا يبدو الموقف موحّداً بين القضاة الـ450 المعتكفين، مع تسليم نسبة لا بأس بها منهم بعدم جدوى الإضراب كوسيلة لتحقيق المطالب. وتتنازع القضاة ثلاث مجموعات. الأكثر تشدداً تربط العودة إلى العمل بالموافقة على صرف الرواتب وفق منصة «صيرفة»، والثقل الأساس في هذه المجموعة للقضاة الجدد. لكن نقطة ضعف هؤلاء، بحسب مراجع قضائية، أن «لا تأثير لهم على سير العمل في العدليات. إذ إن جزءاً منهم لا يزالون في وزارة العدل ولم يجر تعيينهم بعد، ومن عيّنوا منهم لم يتسلموا مراكز أساسية». وبسقفِ مطالبٍ أدنى، هناك مجموعة أخرى تقبل بصيغة الـ8 آلاف ليرة، لصرف المعاشات. أما المجموعة الأخيرة الأكثر واقعيةً أو يأساً – لا فرق – فلا تنتظر شيئاً. وهؤلاء في حالة توقف قسري عن العمل، ويحاولون تسيير الملفات التي تحمل طابع العجلة، كملفات الموقوفين وسواها، لكن تحول أحوال العدليات المظلمة دون تحقيق ذلك في أغلب الأحيان.
عملياً، الجميع مكبّل. ويقضي الاختلاف على إمكانية فتح كوّة في جدار الأزمة. ليبقى الجو العام ميّالاً للتراجع حين تسنح الفرصة. القضاة ينتظرون «passe» من السلطة، على شكل مكاسب ولو محدودة. بخاصة أنهم سيخسرون فرصة الاعتكاف لاحقاً كإحدى أدوات الضغط. وتنقل أوساط قضائية أن هذا الإرباك عزّزته تطورات متناقضة صعّبت الموقف. فمن جهة أثارت موازنة 2022 حفيظة القضاة، على خلفية رصد 0.49% فقط من قيمة الموازنة لمصلحة وزارة العدل ومرافق السلك القضائي. وفي حين خصّصت لصندوق تعاضد النواب 75 مليار ليرة، و250 ملياراً لمجلس الوزراء، لم تتعد حصّة صندوق تعاضد القضاة الـ10 مليارات. بالتوازي سعى وزير العدل الراغب بإنهاء الاعتكاف، مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، لتأمين سلفة خزينة لمصلحة صندوق التعاضد. ووفق المعلومات ستبلغ قيمتها 20 مليار ليرة، والأمور «سالكة» في ديوان المحاسبة. وهي سلفة ثانية، ستلحق بالسلفة الأولى التي تسلمها الصندوق قبل أشهر، بقيمة 35 ملياراً. وبنتيجتها تقاضى القضاة حتى الآن ثلاث دفعات بالدولار تراوحت قيمة كل منها بين 500 دولار و1000 دولار، وفقاً لدرجة كل منهم. لكن المشكلة أن هذه مساعدات اجتماعيّة غير مستدامة، من غير الواضح المدى الزمني للاستمرار بصرفها. وهي في جميع الأحوال من خارج الراتب، ولا تدخل في احتساب تعويضات نهاية الخدمة.

عدد القضاة المستقيلين يرتفع والمتريّثون يطلبون إجازات بلا راتب

في المقابل، سيستفيد القضاة بدءاً من الشهر الجاري من زيادة الرواتب (ضعفا الراتب على أن لا تتعدى الـ12 مليون ليرة). وتقدّر مراجع قضائية أن «تفتح زيادة الرواتب هذه نافذةً يخرق منها القضاة اعتكافهم بالحد الأدنى».
منذ البداية لم تحاول السلطة السياسية إخراج أرانب حلولها. فمن يتبعها من القضاء لا بد أنه يتدبّر أموره، وينفّذ أدواراً مطلوبة. فيما الباقون تارة يناشدون حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بتوقيع عريضة لاحتساب رواتبهم على 8 آلاف من دون جدوى، وتارة يطربهم رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود بآرائه حول المساعدة الاجتماعية التي يعتبرها كافية للإجهاز على اعتكافهم.
من جهة أخرى، تتوالى الاستقالات في صفوف القضاة، وكذلك طلبات الإجازات غير المدفوعة. قبل أسبوع، راسل القاضي فادي عنيسي كلاً من وزير العدل هنري خوري ومجلس القضاء الأعلى يبلغهما رغبته بالاستقالة. في الفترة عينها قدّم القاضي ربيع معلوف، وهو مستشار جنايات في بيروت، استقالته ثم عاد عنها وطلب إجازة طويلة من دون راتب. وقبل ستة أشهر استقال قاضي التحقيق في جبل لبنان زياد مكنا، وهو يعمل حالياً في مجال الدراسات القانونية بين لندن ولبنان. وتبعه المحامي العام المالي القاضي جان طنوس. أما القاضية كارلا قسيس، فقد مضى عام على استقالتها. وكانت القاضية عفاف يونس أوّل من ترك السلك القضائي مع بداية الأزمة. بينما طلب أكثر من 10 قضاةٍ إجازاتٍ طويلة من دون راتب. وجلّ هؤلاء يتعاقدون مع مؤسسات أو منظماتٍ في الخارج لفترة أشهر لإنجاز أعمال قانونية معيّنة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى