الإمام الخميني وبناء منظومة التكافل والتعاون الاجتماعي (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد حوماني – الحوارنيوز
يُنظّر كثيرون أن الإسلام هو دين عبادة، وهو يبني العلاقة بين الإنسان وربه، وليس دين دولة ومجتمع، بمعنى أنه لا يصلح لإدارة مجتمع، وهو بالتالي لا يستطيع مواكبة العصر، فالحياة الاجتماعية أصبحت معقدة ومتطورة كثيرًا، بحيث لا يستطيع الإسلام اللحاق بها، ويتحجج بعض المستشرقين بأن الدول التي يحكمها الإسلام ما تزال دولًا متخلفة علميًا وحضاريًا، وتعاني من الفقر والأمية والجهل، هذا عدا عن من يتكلم منهم عن أن الإسلام هو دين تاريخي، أي نزل في زمن محدد، ولمجتمع محدد.
للوهلة الأولى قد يظهر أن ذلك صحيح إذا ما نظرنا إلى حال بعض الدول الإسلامية الحالية، لكن بالتدقيق نجد كذب ادعاءات هؤلاء المستشرقين و(المتنورين)، إذ إن لكل واحد من تلك الادعاءات سبب، وحتى لا نستفيض في الرد يكفي القول إن ما يوصف بالدول الإسلامية حاليًا، هي دول لا تطبّق في إدارة مجتمعاتها منظومات الإسلام الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، بل هي في الواقع بعيدة كل البعد عن الإسلام، كما أن معظم هذه الدول قد ابتُليت بالعديد من الرؤساء والقادة الذين قد سخّروا مقومات هذه البلاد لمصالحهم الشخصية، وهم عن قصد وسوء نية، تركوا الفساد والجهل والفقر يتفشى في مجتمعاتهم، لإبقاء السيطرة عليهم، وتمنينهم بفتات العيش الذي يسدّون به رمق جوعهم وعطشهم، ومع ذلك فإن من تصدى للفساد والفقر والجهل من هؤلاء القادة قد نجح في رفع المستوى الاجتماعي والعلمي والثقافي لمجتمعه، وماليزيا أبرز مثال على ذلك.
قد تكون إيران نموذجًا متفردًا بين هذه الدول، فهي دولة إسلامية تُطبّق الإسلام في كل شؤون مجتمعها، وقد أصبحت من الدول الأولى في المجال العلمي والثقافي والاجتماعي والعمراني، نعم ما زال مستوى المعيشة متدنيًا، لكن ذلك ليس بسبب تطبيق الدين في الحياة العامة، بل بسبب الحصار المفروض عليها منذ حوالي نصف قرن.
لقد أدرك الإمام الخميني أن الحكومة الإسلامية في هذا الزمن لا تعني فقط استلام السلطة السياسية، بل هي بناء منظومة اجتماعية متكاملة، تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في سد حاجات المجتمع المادية والمعنوية، وإيجاد نموذج اجتماعي يُقتدى به، وهو كذلك يدرك أن لا أحد في هذا العالم يتمنى له ولإيران تحقيق هذا المبتغى، وأبرز دليل هو الحصار والعقوبات التي تعرضت لها إيران منذ اليوم الأول لنجاح الثورة الإسلامية، وهو في نفس الوقت يعلم أن المنظومات الاجتماعية التي كانت سائدة في إيران، هي منظومات قائمة على النموذج الغربي الفردي، الذي ينخره الفساد والاحتكار وتحقيق الأرباح الخيالية على حساب الشعب المستضعف، وأن هذه المنظومات بحاجة إلى وقت طويل لتطويعها وإدخالها ضمن الرؤية الإسلامية الاجتماعية والاقتصادية.
والأمر الآخر الذي عانى منه الإمام الخميني هو الحرب العدوانية التي شنتها أمريكا والغرب على إيران عبر وكيلهم صدام حسين، فهذه الحرب لم تترك له المجال لتنفيذ رؤيته الاجتماعية التي ترتكز على الإسلام، وهي تسببت أيضًا بمزيد من تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وبالتالي مزيدًا من الفقر والحرمان، عدا عن آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، ومعاناة عوائلهم في شتى المجالات، لكنه مع ذلك كله تميّز بالهدوء والطمأنينة وسرعة اقتراح البدائل التي تحفظ كرامة المجتمع وقوته ومنعته.
المثل الأعلى في التكافل الاجتماعي هو ما فعله النبي (ص)، عندما آخى بين المهاجرين والأنصار بعد هجرته من مكة إلى المدينة، فتنازل كل واحد من رجال الأنصار عن نصف بيته وماله وأرضه لأخيه من المهاجرين، إلا أن تحقيق هذا الأمر في الزمن الحالي يبدو صعبًا، بل مستحيلًا، لذا كان توجّه الإمام الخميني نحو إنشاء مؤسسات وجمعيات تقوم على مبادرات وتبرعات، تُسهم في رفع الحرمان عن الفقراء والمستضعفين، ولا تُحمّل الدولة الفتية عبء هذه المسؤولية الكبيرة، فأنشأ منظومة متكاملة متخصصة بكل فئة من فئات الشعب، تُعنى بها وبحاجاتها ومتطلباتها، هذه المنظومة من المؤسسات التي ستتطور مع الزمن وتُصبح قدوة في البلدان الأخرى، ستُحقق شيئًا من الكرامة الاجتماعية إذ لم تستطع تحقيق العدالة الاجتماعية كما يُقدمها الإسلام، وقد عُرفت هذه المؤسسات بمؤسسات الثورة، ومن أهمها لجنة الثورة الإسلامية، وهي أول مؤسسة تأسست بعد الثورة، وكانت مهمتها حفظ الأمن في البلاد، ومكافحة المخدرات وتهريب البضائع، وتأمين أمن المدن والقرى، ومواجهة الجماعات المنافقة والانفصالية. كما أمر الإمام الخميني بإنشاء مؤسسة 15 خرداد، وهدفها رفع الحرمان وحل المشاكل الاقتصادية لعائلات الشهداء والجرحى والمضحين في الثورة الإسلامية، وتولّت مهام إنتاج وتوزيع السلع على الفقراء والمستضعفين في المجتمع. وكذلك أسس مؤسسة الشهيد لتقديم الخدمات لعائلات الشهداء والجرحى والمضحين في سنوات الحرب المفروضة على إيران، وما زالت هذه المؤسسة تخدم حاليًا آلافًا من عائلات الشهداء والجرحى.
وأنشأ الإمام الخميني أيضًا مؤسسة المستضعفين، وعملت هذه المؤسسة في مجالات اقتصادية وتجارية مختلفة مثل: الخدمات الثقافية والتعليمية، الطباعة والنشر، إنتاج وتوزيع الكهرباء، خدمات السياحة والنقل والشحن البحري، خدمات التأمين، البنوك والاستثمار، المقاولات العامة والتجارة. وقد تأسست بهدف تجميع الأموال والممتلكات المصادرة وتخصيصها للمحتاجين. أما مؤسسة جهاد البناء فكان الهدف منها الاهتمام بالمناطق المحرومة والنائية في إيران، كما عملت على إعادة ترميم كل ما دمرته الحرب، وتحولت هذه المؤسسة لاحقًا إلى وزارة جهاد البناء، فيما كانت أهم مهام مؤسسة الإسكان وضع المخططات اللازمة لإسكان الفئات المستضعفة، وإجراء الدراسات الفنية حول الأراضي الريفية، والمساعدة في توفير مواد البناء وغيرها.
أما على الصعيد الثقافي والتعليمي، فقد أسس الإمام الخميني المجلس الأعلى للثورة الثقافية، وهدفه نشر الثقافة الإسلامية في شؤون المجتمع، وتعزيز الثورة الثقافية، والارتقاء بالثقافة العامة، وتطهير الأوساط العلمية والثقافية من الأفكار المادية ونفي مظاهر التغريب. كما أصدر الإمام الخميني قرارًا بتأسيس حركة محو الأمية، وحدد لها هدفين أساسيين أحدهما تعليم القراءة والكتابة للمحرومين من نعمة القراءة والكتابة، ورفع وعي ومعرفة الكبار حديثي القراءة في المجالات المختلفة، وتحويل الثقافة التابعة للبلاد إلى ثقافة مستقلة مكتفية ذاتيًا. أغلب هذه المؤسسات تم دمجها لاحقًا ضمن مؤسسات الدولة، بعدما أعاد الإمام الخميني تشكيلها بما يخدم الشعب الإيراني، وبقي بعضها يقوم بمهام مساعدة تطوعية ومساندة لوزارات الدولة.
النقطة المهمة التي ينبغي التوقف عندها هي أن هذه التجربة المؤسساتية التي بناها الإمام الخميني في إيران قد تم تعميمها في دول عدّة وبطرق مختلفة. ففي لبنان وبرعاية من الإمام الخميني المباشرة، تم إنشاء مؤسسة الإمداد الخيرية التي تُعنى بالفقراء والمستضعفين، ومؤسسة جهاد البناء التي كان هدفها الأساسي مساعدة المزارعين وتأمين احتياجاتهم، ثم توسّع عملها لتكون أساسًا في إعادة إعمار ما هدمه العدوان الصهيوني المتكرر على لبنان من 1993 إلى 1996 إلى 2006 وما يجري حاليًا، وقد تفرّع عنها كذلك عدة مؤسسات تهتم بهذه الأمور، من مراكز استشارية أو شركات تلزيم مشاريع، مع احتفاظها بهدفها الأساسي وهو الواقع الزراعي. كذلك أوصى الإمام الخميني بتأسيس مؤسسة خاصة تُعنى بعوائل الشهداء وأولادهم، سواء على الصعيد المعيشي أو التعليمي أو التربوي أو الصحي، وقد اهتمت مؤسسة الشهيد أيضًا ببناء مجموعة مدارس ومستشفيات عامة، وتم تخصيص مؤسسة خاصة للعناية بجرحى الحرب، وتأهيلهم للعودة إلى العمل ضمن قدراتهم وإمكاناتهم. أما مؤسسة القرض الحسن، فتُعنى بإعطاء قروض لا ربوية ميسرة للمستضعفين، خصوصًا لأصحاب المشاريع الصغيرة. كل هذه المؤسسات وغيرها كانت بطلب ورعاية خاصة من الإمام الخميني، وقد جرى تعميم هذه التجربة في مناطق أخرى في فلسطين والعراق واليمن.
لقد رسّخ الإمام الخميني دعائم الدولة الإسلامية في إيران، وأظهر أن الإسلام هو دين دولة كما هو دين عبادة، دولة تُنشد العدالة الاجتماعية، وجعل أساسها خدمة الناس، والسعي في احتياجاتهم، ولم يكتفِ بالتنظير لذلك، بل أوجد المؤسسات التي تقوم بهذه المهام، ولو أن الظروف السياسية لم تساعده، بسبب الحرب المفروضة على إيران لثماني سنوات، والعقوبات الاقتصادية العالمية عليها، لكنه ثبّت ركائز مؤسسات التكافل والتضامن الإجتماعي في إيران وخارجها.



