دولياتسياسة

شرق المتوسط على حافة الإنفجار: هل يسقط الناتو أم يعاد تشكيله؟ (وائل أبو الحسن)

 

وائل فايز أبو الحسن – الحوارنيوز- مكسيكو سيتي

 

في حال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا، لن يكون الأمر نزاعا تقليديا محدودا، بل تحول عميق يضرب توازنات شرق المتوسط، ويعيد تشكيل شبكة التحالفات في الإقليم.

تتقدم اليونان وقبرص إلى واجهة المشهد، بحكم ارتباطهما الأمني المتنامي مع إسرائيل، وبفعل توترهما التاريخي مع أنقرة، ما يجعل احتمالات الانخراط، أو الدعم غير المباشر، قائمة بقوة، ويدفع بالنزاع نحو تعدد الأطراف، وتشابك الحسابات بين السيادة والطاقة والنفوذ.

غير أن هذا المشهد يكتسب بعدا أكثر تعقيدا، مع افتراض خروج الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، من حلف شمال الأطلسي، أو تفكيكه نتيجة خلافات حادة، سواء على خلفية صراعات في مضيق هرمز، أو رفض الحلف الانخراط في حروب لا تعكس أولوياته. عندها يسقط الإطار الناظم، الذي كان يحد من انفلات الأزمات، ويتحول الفراغ الاستراتيجي إلى عامل تفجير إضافي، بدل أن يكون عنصر احتواء.

في هذا الواقع الجديد، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار وجودي، حيث تفقد المظلة الأمنية التي شكلها الناتو لعقود، وتضطر دول مثل فرنسا وألمانيا إلى تسريع بناء منظومة دفاعية مستقلة، في محاولة لملء الفراغ. غير أن هذا المسار يحتاج إلى وقت، وإرادة سياسية موحدة، وهما عنصران لا يتوفران بسهولة في لحظة أزمة. في المقابل، تتحرك اليونان وقبرص بشكل أكثر التصاقا بإسرائيل، لتعويض غياب الضامن الأمريكي، ما يعمق خطوط الاصطفاف، ويزيد احتمالات الاحتكاك مع تركيا.

أما تركيا، فستجد في هذا الانهيار فرصة للتحرر من القيود الأطلسية، وإعادة تعريف دورها كقوة إقليمية مستقلة. قد تميل إلى سياسات أكثر جرأة، وربما أكثر صدامية، مستفيدة من غياب آليات الردع الجماعي. وفي المقابل، تصبح إسرائيل أكثر ميلا لتعزيز تحالفاتها الثنائية، وتكريس تفوقها العسكري كضمانة وحيدة، في بيئة تفتقر إلى الضوابط.

على مستوى أوسع، لن يبقى الفراغ دون من يملأه. روسيا ستسعى إلى توسيع نفوذها في محيطها الأوروبي والبحري، بينما الصين ستتقدم بثبات، لترسيخ موقعها كقوة عالمية صاعدة، مستفيدة من تراجع الدور الأمريكي وانكفائه. وهكذا يتحول شرق المتوسط إلى ساحة مفتوحة لتقاطع مشاريع القوى الكبرى، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة، وخطوط الغاز.

الخلاصة، أن أي مواجهة بين إسرائيل وتركيا، في ظل غياب الولايات المتحدة عن الناتو، لن تكون مجرد حرب إقليمية، بل لحظة مفصلية تعلن نهاية نظام دولي كان قائما على التحالفات المنضبطة، وبداية مرحلة يسودها تعدد الأقطاب، وفوضى التوازنات. في هذا العالم، لا مكان لليقين، ولا تحكمه قواعد ثابتة، بل تفرضه موازين القوة المتحركة، وتكتبه المصالح حين تتقدم على كل ما عداها.

يبقى السؤال، هل يقدم دونالد ترامب على الخروج من حلف شمال الأطلسي، وبالتالي تفكيكه؟ أم أن الحسابات العميقة للمصالح ستبقي الحلف قائما رغم كل التصدعات؟ وماذا لو لم يخرج، وبقي الحلف على ما هو عليه؟ فكيف سيكون موقع ترامب وواشنطن في حال اندلاع حرب تكون إسرائيل وتركيا طرفيها، خاصة أن ترامب لا يرتبط فقط بتحالف استراتيجي مع إسرائيل، بل يحتفظ أيضا بعلاقة براغماتية مع أنقرة، تتداخل فيها المصالح العسكرية والسياسية، ويتقاطع معها ملف سوريا الذي تمسك تركيا بجزء أساسي من خيوطه الميدانية؟.

فهل يستطيع التوفيق بين هذين المسارين المتناقضين؟ أم أن هذه المعادلة ستفرض عليه الانحياز، وتدفع واشنطن إلى اتخاذ قرار قد يعيد رسم ملامح التوازنات في المنطقة، ويفتح الباب أمام مواجهة أوسع لا يمكن ضبطها؟ ثم سؤال لا يقل أهمية، في حال اندلاع هكذا مواجهة، أين سيكون موقع مصر، بثقلها الإقليمي وحساسيتها المباشرة تجاه شرق المتوسط؟ وماذا عن ليبيا، التي تعيش انقساما داخليا وصراعا مفتوحا، رغم كونها ساحة تقاطع نفوذ إقليمي، من بينها الحضور التركي نفسه؟

أسئلة مفتوحة، لكنها تعكس حقيقة واحدة، أن أي حرب من هذا النوع لن تبقى محصورة بين طرفين، بل ستتحول إلى اختبار شامل لتوازنات منطقة بأكملها، وربما أبعد من ذلك.

 

*محام مغترب مقيم في المكسيك

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى