العالم العربيسياسة

حكاية لواء إسكندرون السليب في ذكرى اقتطاعه الثانية والثمانين(د.محمد رقية)

بقلم  الدكتور محمد رقية-سورية

من منا لا يعرف لواء اسكندرون السليب، المحافظة الخامسة عشرة لسورية؟ ومن منا لا يعرف أن هناك مؤامرة دولية فرنسية – تركية عصبوية تزويرية أدت لسلخه عن الوطن الأم سورية  في التاسع والعشرين من تشرين الثاني من عام 1939 وضمه إلى تركيا العثمانية  بقوة احتلال غاشمة أدت لتشتيت أهله وسكانه في كل الأصقاع ؟ اربطوا ماحصل سابقا  باللواء بأطماع تركيا الأردوغانية الآن في ما يحدث في سورية ..

كانت منطقة إسكندرون تابعة لولاية حلب  أثناء الاحتلال العثماني لسورية ، مشكلة مرفأها على البحر المتوسط . يطل  اللواء على خليجي اسكندرون والسويدية  في الزاوية الشمالية الشرقية للبحر المتوسط  ويتوسط شريطه الساحلي رأس الخنزير  الذي يفصل بين الخليجين المذكورين. أهم مدنه انطاكية (عاصمة الاقليم) اسكندرونة ، التي تعد من أهم الموانئ البحرية التي تعتمدها تركيا لتصدير النفط ، أوردو، الريحانية ، السويدية ، وأرسوز.

 

 يتميز اللواء بطبيعة جبلية ذات مناظر خلابة ، وأكبر جباله جبل الأمانوس ، وجبل الأقرع ، وجبل موسى ، وجبل النفاخ  ، وبين هذه الجبال يقع سهل العمق الشهير .  أما أنهاره الرئيسية فهي نهر العاصي الذي يصب في خليج السويدية ، ونهرا عفرين والأسود اللذان يصبان في بحيرة العمق. وتتجاوز مساحته نصف مساحة لبنان ، ويعتبر من أجمل وأغنى مناطق سورية بثرواته الطبيعية والباطنية وحقوله الزراعية ومناطقه السياحية  ومواقعه الأثرية .

 عندما تزور هذا الاقليم وتلتقي مواطنيه العرب ، الذين بقوا هناك بعد الاحتلال التركي ، والذين يتكلمون اللهجة اللاذقانية المميزة ،ولكن لايستطيعون الكتابة بالعربية ، لأن سلطات الاحتلال التركي تمنع عليهم الكتابة والتكلم بالعربية وحتى سماع الأغاني العربية، تشعر بالحزن العميق  وهم بدورهم  يعبرون لك عن حزنهم الشديد لواقعهم المزري واشتياقهم للوطن الأم .

لقد أكدت سوريّة اللواء معاهدة سيفر عام 1920 والتي اعترفت فيها الدولة العثمانية بعروبة منطقتي الاسكندرون وكيليكيا وارتباطهما بالبلاد العربية (المادة 27)،   وكانت غالبية سكان اللواء من عرب سورية. ففي عام 1921 كان الأتراك يشكلون أقل من 20 في المئة من سكان الإقليم ،إلا أن السياسة الفرنسية المنحازة للأتراك، والتخطيط القديم لسلخ اللواء لإرضاء أتاتورك، أرسى سياسة تتريك مقنعة خلال فترة الانتداب الفرنسي في العشرينات للإقليم.

 قبل أن يكون هناك شيء اسمه الأمم المتحدة كانت مجموعة من الدول تدعى “عصبة الأمم” وفي ظلها صدر القرار الأممي المشؤوم بفصل اللواء عن سورية الأم وتعيين حاكم فرنسي عليه في 29 أيار  1937.وعلى مدى عام كامل عمل الحاكم الفرنسي في اللواء على تهيئة الوضع للمخطط السري بين تركيا و فرنسا ..و في 15 تموز / 1938 قامت قوات عسكرية تركية باقتحام مدن لواء اسكندرون واحتلالها وزراعة بؤر استيطانية فيها في مؤامرة فرنسية تركية انسحب بموجبها الجيش الفرنسي الى انطاكية.. و أصبح لواء اسكندرون محتلاً رسمياً منذ ذلك التاريخ ..بعد عامين على تلك الواقعة أرادت فرنسا وتركيا إنهاء قضية لواء اسكندرون بشكل كامل فقامت الادارة الفرنسية كممثلة لعصبة الأمم عام 1939 بالإشراف على استفتاء وهمي تزويري حول انضمام اللواء الى تركيا، بعد أن قامت ادارتا الدولتين الاستعماريتين بنقل عشرات الاف من الأتراك وتوطينهم في اللواء تمهيداً للاستفتاء، فخرجت النتيجة لصالح تركيا رغم الاحتجاجات والتشكيك بهذه النتائج المزورة  ، حيث لم تتجاوز نسبة تركمان سورية  فيه 39.4% حسب إحصاءات 1939 عند اقتطاعه من الوطن الأم  رغم كل عمليات التدجين التركي طيلة هذه السنوات .ومنذ ذلك التاريخ  بدأت عمليات تهجير العرب السوريين من اللواء وسرقة أراضيهم و ممتلكاتهم، حيث نزحت إلى دمشق، وحلب، وحمص، واللاذقية، أعداد كبيرة من عرب اللواء وأرمنه ، وقامت  سلطات الاحتلال وبكل عنجهية بتغيير كل الاسماء العربية الى أسماء تركية مانعة تداول اللغة العربية في اللواء تحت تهديد السلاح و القمع و الاعتقال و التهجير..

و استمر هذا الأمر طوال عقود مع اضطرابات في العلاقات السياسية بين الدولتين السورية والتركية ..وفي هذا السياق لابد أن نشير إلى أنه تم في  4 تشرين الثاني 2012 اعادة تنشيط  الجبهة الشعبية لتحرير لواء اسكندرون – القديمة-  والتي يمتد تاريخها الى الثلاثينات من القرن الماضي الى المناضل اللوائي الاول زكي الارسوزي، وتهدف إلى تحرير اللواء السليب من السلطنة العثمانية وعودته إلى الوطن الأم سورية، وشعارها: “لواء الإسكندرون من الأزل إلى الأبد.. سوري وسيبقى سوري”.

كان الإجراء الفرنسي بإعطاء اللواء إلى تركيا مخالفاً لصك الانتداب نفسه، حيث نصت المادة الرابعة من صك الانتداب على إلزام الدولة المنتدبة باحترام وحدة البلاد الموكلة إليها والحفاظ على سلامة أراضيها، وهو ما لم يتقيد به الفرنسيون..أفضى سلخ اللواء لانطلاق تظاهرات واحتجاجات عديدة عام 1939 ، أفضت للإطاحة بحكومة جميل مردم بك  ، ثم استقالة الرئيس هاشم الأتاسي .

شكل لواء الإسكندرون نبعا فكريا لا ينضب .. فكم نشأ فيه من مفكرين و كتاب ورجالات دولة و أدب في مختلف المجالات . ومازالت الأجيال تثبت أن هذه الأرض المعطاءة لديها الكثير والكثير حتى من الأبناء والأحفاد وكلهم بمستوى عال و كبير ليمثلوا تلك الأرض الطيبة ..

 فقد كانت أنطاكية عاصمة اللواء في سورية القديمة، ، عاصمة سورية ومركزها، ومقر بطريرك أنطاكية، الرأس المحلي للكنيسة السورية بشقيها البيزنطي والسرياني، ومنه خرجت شخصيات بارزة على مستوى العالم مثل إغناطيوس الأنطاكي، ويوحنا فم الذهب. أما في سورية المعاصرة، فقد خرجت العديد من الشخصيات التي لعبت دوراً مهماً على الصعيد المحلي، مثل رئيس الدولة صبحي بركات والمفكر الشهير زكي الأرسوزي والشاعر سليمان العيسى،والمناضل فائز اسماعيل والمناضل وهيب الغانم والمناضل مسعود غانم ووالده الشيخ صالح الغانم ، والكاتب والشاعر صدقي اسماعيل والفنانين التشكيليين الأخوة أدهم اسماعيل ، عزيز اسماعيل ونعيم اسماعيل وغيرهم الكثير .

لقد قال الشاعر الكبير سليمان العيسى في اللواء:

أأهزّ جرحك يا ترابَ المهدِ ، يا بلدي السليبَا !

 أعرفت شاعركَ الصغير ، تصوغه أبداً لهيبا !

وتطلّ كالعملاقِ تحـشُد حيث أومأت القلوبا

سنعود ، نعقد في مروجِك عرسها خمراً وطيبا

سيبقى لواء اسكندرون حيا” في ضمائرنا وسنبقى نطالب بعودته إلى الوطن الأم سورية، وسيعود مهما طال الزمن ولن يموت حق وراءه مطالب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى