رأي

ثقافة الإرتهان للماضي المظلم (أكرم بزي)

 

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

إن التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الواقع اللبناني اليوم تعيد إلى الأذهان حقبة سوداء ظن الكثيرون أنها طويت مع تبدد دخان الحرب الأهلية، إلا أن السلوك السياسي لليمين اللبناني يثبت يوما بعد يوم أن العقلية التي استجلبت الدبابة الإسرائيلية في ثمانينيات القرن الماضي لا تزال هي المحرك الأساس لمواقف هذا الفريق. فكلما لاحت في الأفق فرصة لقلب الموازين أو استشعر هذا اليمين دعما خارجيا، سارع إلى محاولة فرض هيمنته وتغيير الواقع السياسي لمصلحته، دون أدنى اعتبار للسيادة الوطنية أو للنسيج الاجتماعي الذي يجمع اللبنانيين.

لقد ارتبط تاريخ حزب الكتائب اللبنانية، بصفحات مخضبة بالدماء، حيث كانت المجازر هي اللغة الأكثر صراحة في التعبير عن مشروع الهيمنة. فمنذ مجزرة عين الرمانة عام ١٩٧٥، التي كانت بمثابة الصاعق الذي فجر البلاد، وصولا إلى فاجعة صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢، نجد خيطا ناظما يربط هذه الأحداث، وهو الاستقواء بالخارج لتصفية الحسابات الداخلية. فمجزرة صبرا وشاتيلا لم تكن مجرد فعل عسكري عابر، بل كانت تجسيدا للتحالف العضوي بين ميليشيات القوات اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي، حيث جرت تصفية آلاف المدنيين العزل تحت بصر وحماية جيش الاحتلال، في مشهد سيبقى وصمة عار في تاريخ هذا اليمين .

واليوم، لا يتورع الورثة السياسيون لهذا النهج عن التعبير عن مكنوناتهم بشكل صريح  ، متجاوزين كل الخطوط الحمر التي رسمتها دماء الشهداء وأوجاع العوائل. فحين يطل رئيس الكتائب من على المنابر ليترحم على جنود “المارينز” الذين جاؤوا إلى لبنان ضمن أجندات استعمارية واضحة، فإنه لا يوجه إهانة للذاكرة الوطنية فحسب، بل يمهد الطريق لخطاب قد يترحم غدا على جنود الجيش الصهيوني الذي يمارس اليوم أبشع صور التوحش والقتل بحق اللبنانيين.

 إن هذا التماهي مع القوى الخارجية، والتباكي على جنود غزاة، يعكس حالة من الانفصال التام عن الواقع الشعبي اللبناني، ويبدو معه أن هذا الفريق يبتهج ويهلل كلما ازداد التنكيل الصهيوني باللبنانيين، ظنا منه أن هذا التوحش قد يفتح له طريقا جديدا نحو السلطة.

إن الخطورة في هذا الخطاب لا تكمن فقط في كونه يستفز مشاعر ذوي الشهداء، بل في كونه ينسف أسس العيش المشترك ويعيد إنتاج منطق “الكانتونات” والانعزال، فبدلا من الانحياز للوطن في مواجهة آلة القتل الصهيونية، نجد هذا اليمين يراقب المشهد بعين المتربص، وكأنه ينتظر لحظة انكسار وطنية ليبني عليها أمجادا وهمية، إن التاريخ يخبرنا أن المراهنة على الخارج وعلى عدو يمعن في تدمير الأرض والإنسان هي مراهنة خاسرة دائما، وأن الدبابة، سواء كانت إسرائيلية أو أميركية، لن تمنح شرعية لمن فقدها في وجدان شعبه، فالوطن لا يبنى بالتهليل للتوحش، ولا بالترحم على الغزاة، بل بالوقوف صفا واحدا في وجه من يتربص بالبلاد شرا.

في الختام، يبقى السؤال المطروح على ضمير هذا اليمين: إلى متى سيظل الارتهان للخارج هو البوصلة؟ وهل يعتقد هؤلاء أن القفز فوق جثث الضحايا والترحم على قتلة الشعوب يمكن أن يصنع دولة أو يحقق استقرارا؟

إن الواقع السياسي لا يتغير بالرهانات المشبوهة، بل بالانتماء الحقيقي للأرض، وهو ما يفتقده هذا النهج الذي لا يزال أسيرا لعقلية الحرب والمجازر، منتظرا فرصة جديدة ليفرض هيمنته على أنقاض الوطن، متناسيا أن ذاكرة اللبنانيين لا تنسى، وأن من يهلل للتوحش اليوم، سيجد نفسه غدا معزولا أمام حقيقة أن لبنان لا يحميه إلا سواعد أبنائه ووحدتهم في وجه الغطرسة والعدوان.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى