بين “أبو علي” بنت جبيل و“أبو علي” ساقية الجنزير: معضلة الدولة الواحدة والسلطة الواحدة (بهاء حلال)

العميد م د. بهاء حلال – الحوارنيوز

في الجغرافيا اللبنانية الضيقة، تختصر مسافتان رمزيتان أزمة وطن: من بنت جبيل على تخوم الجنوب، حيث تتقاطع السيادة مع تهديدات الخارج، إلى تهديدات المولدات في ساقية الجنزير في قلب بيروت، حيث يفترض أن تتمركز سلطة الدولة ومؤسساتها. بين “أبو علي” هنا وهناك، يتجدد السؤال الجوهري: هل لبنان دولة واحدة بسلطة واحدة، أم فضاء تتعايش فيه سلطات متعددة ضمن توازن هش؟
هذا السؤال ليس نظرياً، بل يمسّ جوهر الكيان اللبناني. فمنذ الاستقلال، سعى لبنان إلى بناء دولة تعددية تستوعب تنوعه ضمن مؤسسات موحدة. غير أن الحروب، والتدخلات الإقليمية، والتسويات السياسية، ولا سيما اتفاق الطائف، أعادت تشكيل النظام من دون أن تحسم مسألة احتكار القرار. وهنا تكمن العقدة: التعايش بين شرعيات متعددة داخل إطار دولة واحدة.
أولاً: الإطار المفاهيمي : السيادة واحتكار العنف المشروع
تُعرّف الدولة الحديثة، وفق *ماكس فيبر*، بقدرتها على احتكار العنف المشروع. في لبنان، هذا المبدأ يبقى منقوصاً. فإلى جانب المؤسسات الرسمية، توجد قوى تمتلك قدرة فعلية على التأثير الأمني والعسكري، ما يؤدي إلى ازدواجية القرار ويقوّض مفهوم السيادة.
ثانياً: البعد الجيوستراتيجي : لبنان كساحة تقاطع
موقع لبنان يجعله جزءاً من صراعات إقليمية مفتوحة. منذ حرب تموز 2006، ترسّخت معادلات ردع غير تقليدية، حيث باتت قوى المقاومة لاعباً أساسياً في معادلة الدفاع. هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية: هل يمكن بناء استراتيجية دفاعية وطنية موحدة دون إدماج كل عناصر القوة ضمن إطار الدولة؟
ثالثاً: البعد الاجتماعي : الشرعية المركبة
الشرعية في لبنان ليست أحادية المصدر. ففي ظل ضعف الدولة في بعض المناطق، تنشأ قوى بديلة تؤمّن خدمات وحماية، ما يمنحها شرعية اجتماعية موازية. هذا الواقع يخلق عقداً اجتماعياً مزدوجاً، يجعل فكرة “السلطة الواحدة” هدفاً غير مكتمل التحقيق.
رابعاً: الإطار الدستوري : بين النص والتطبيق
الدستور اللبناني يكرّس بوضوح سيادة الدولة ووحدة القرار. إلا أن التطبيق يصطدم بتوازنات سياسية وطائفية، وبمؤسسات غالباً ما تعمل ضمن منطق التسويات لا الحسم، ما يوسّع الفجوة بين النص والواقع.
خامساً: مفارقة الدعم داخل الدولة : تفسير الازدواجية
تظهر مفارقة لافتة في سلوك الدولة: فهي تبدو أحياناً حازمة في مواجهة قوى الأمر الواقع في الأطراف، كما في بنت جبيل، بينما تميل إلى التكيّف أو الاحتواء في العاصمة، كما في ساقية الجنزير. هذه الازدواجية يمكن تفسيرها عبر عدة عوامل مترابطة:
– تعدد مراكز القرار داخل الدولة نفسها، حيث تتأثر المؤسسات بتوازنات سياسية مختلفة، ما ينتج قرارات غير متجانسة.
– أولوية الاستقرار على الحسم، إذ تميل الدولة في العاصمة إلى تجنب المواجهة المباشرة لتفادي الانفجار الأمني، فتدير الأزمة بدلاً من حلها.
– الضغوط الجيوسياسية الخارجية التي تفرض مرونة أو تناقضاً في مواقف الدولة، تبعاً لموازين القوى الإقليمية.
– فجوة الخدمات والشرعية التي تسمح بظهور قوى بديلة يتم احتواؤها في بعض البيئات بدل مواجهتها.
– إرث التسويات منذ اتفاق الطائف، الذي كرّس توازنات دقيقة على حساب الحسم السيادي.
هذه المفارقة لا تعني أن الدولة تتخلى عن نفسها، بل أنها تعمل ضمن قيود بنيوية تجعلها تتأرجح بين منطق السيادة ومنطق الاستقرار. إلا أن استمرار هذا النهج يضعف هيبة الدولة ويؤجل بناء سلطة موحدة.
سادساً: نحو مقاربة إصلاحية : من إدارة التناقض إلى بناء الوحدة
الخروج من هذه الإشكالية لا يكون بالإنكار، بل بإعادة تنظيم الواقع ضمن مشروع وطني جامع:
- إقرار استراتيجية دفاعية وطنية تدمج كل القدرات ضمن قيادة الدولة.
- تعزيز الجيش اللبناني كمرجعية وحيدة للأمن والدفاع بإجماع سياسي فعلي.
- إصلاح المؤسسات لضمان فعاليتها واستقلاليتها واستعادة ثقة المواطن.
- بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والخدمات بدل الولاءات الجزئية.
- تحييد لبنان نسبياً عن صراعات المحاور بما يحفظ مصالحه الوطنية.
خاتمة: من السؤال إلى القرار
بين “أبو علي” في بنت جبيل و“أبو علي” في ساقية الجنزير، لا يكفي رفع شعار الدولة الواحدة. الدولة تُقاس بقدرتها على توحيد القرار وتطبيقه. التحدي أمام المجلس الأعلى للدفاع وسائر المؤسسات هو الانتقال من إدارة التعدد إلى بناء الوحدة.
إن السؤال “الله أعلم؟” يجب ألا يبقى معلقاً. الجواب يصنعه قرار سياسي شجاع، يعيد الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة، ويحوّل التنوع من مصدر انقسام إلى عنصر قوة ضمن سيادة لا تتجزأ.



