رأي

الناس بالناس.. والقطه بالنفاس (أسامة مشيمش)

 

 

بقلم د. أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز

 

 

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتضيق فيه مساحات الأمل، يبدو أن المشهد اللبناني لم يعد يحتمل المزيد من القرارات المرتجلة التي تزيد من شعور المواطنين بالضياع. ولعلّ قرار الحكومة بتقديم الساعة ساعة واحدة عشية يوم السبت، جاء ليشكّل نموذجًا صارخًا عن حالة التخبط التي تعيشها الدولة، وكأنّ الأولويات باتت مقلوبة، أو ربما غائبة بالكامل.

 

المثل الشعبي القائل “الناس بالناس والقطة بالنفاس” يجد في هذه الواقعة تجسيدًا حيًا، إذ ينشغل أهل السلطة بتفاصيل شكلية فيما يعاني المواطن من أزمات معيشية خانقة، تبدأ من فقدان أبسط مقومات الحياة ولا تنتهي عند حدود الانهيار الاقتصادي. فبدل أن تكون القرارات الحكومية انعكاسًا لحاجات الناس وتطلعاتهم، تتحول إلى مادة للسخرية، تزيد من فجوة الثقة بين الدولة ومواطنيها.

 

وإذا كان هذا العبث يطال تفاصيل الحياة اليومية، فإنّ ما هو أخطر يتجلى في الإهمال المزمن الذي يطال مناطق بأكملها، وفي مقدمتها جنوب لبنان، حيث يدفع الأهالي أثمانًا باهظة في ظل الحرب الدائرة. هناك، حيث الصمود ليس خيارًا بل قدرًا، يقدّم الناس تضحيات جسامًا دفاعًا عن الأرض والكرامة، فيما تغيب الدولة أو تكتفي بدور المتفرّج.

 

إنّ أهل الجنوب الذين واجهوا القصف والدمار، واحتملوا النزوح والخسائر، لم يطلبوا يومًا سوى الحد الأدنى من الرعاية والاهتمام، لكنهم وجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة المصير وحدهم. هذا التناقض الفاضح بين حجم التضحيات وغياب الاحتضان الرسمي، يعمّق الإحساس بالغبن ويطرح أسئلة جوهرية حول معنى الدولة ودورها.

 

إنّ ما يجري لا يمكن عزله عن السياق العام لانحدار مؤسسات الدولة، حيث تغيب الرؤية وتُستبدل بالارتجال، ويُهمّش صوت المواطن لصالح حسابات ضيقة لا تمتّ للمصلحة العامة بصلة. وهنا، يصبح الحديث عن الانتماء للوطن شعارًا فارغًا، يُرفع في المناسبات ويُغيب في الممارسة اليومية.

 

الوطن ليس مجرد كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، بل هو مسؤولية والتزام، يبدأ من احترام عقول الناس وحقوقهم، ومن الوقوف إلى جانبهم في أصعب الظروف. أما حين تتحول القرارات إلى مادة عبثية، ويُترك من يضحّون في الميدان لمصيرهم، فإن ذلك يكرّس حالة الانفصال بين السلطة والشعب، ويعمّق الإحساس باللاجدوى.

 

إنّ استعادة معنى الوطن تتطلب أولًا استعادة هيبة الدولة ووعيها بدورها الحقيقي، لا كسلطة فوق الناس، بل كإدارة في خدمتهم، حاضرة في الأزمات قبل المناسبات. وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى مثل هذه القرارات دليلًا إضافيًا على أزمة حكم لا على أزمة التوقيت.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى