منوعات

“يلا ندبك”.. حين استعاد لبنان إيقاعه خارج السياسة (زينب إسماعيل)

 

كتبت زينب اسماعيل – الحوارنيوز

لم يكن البرنامج مجرد منافسة فولكلورية، بل مساحة جامعة أعادت للّبنانيين شيئًا من فرحهم المشترك، بعيدًا عن الاصطفافات والانقسامات.

انتهى برنامج “يلا ندبك” على شاشة MTV Lebanon، لكن ما تركه في الذاكرة الجماعية لم ينتهِ مع إسدال الستارة. لم يكن مجرد برنامج تنافسي عابر، بل مساحة وطنية صغيرة استعادت شيئًا من روح لبنان التي نكاد ننساها وسط الضجيج اليومي. كان مسرحًا للتراث، لكنه كان أيضًا مسرحًا للناس… لنبضهم، لانتمائهم، ولحاجتهم العميقة إلى الفرح.

في الحلقة النهائية، اجتمعت أربع فرق تمثل جغرافيا متنوّعة وهوية واحدة: برجا التي تُوّجت بالمركز الأول، العبادية التي حلّت ثانية، وفرقة “جذور” من النبطية في المركز الثالث، إلى جانب الحضور اللافت للفرق القادمة من بعلبك التي أعادتنا إلى الدبكة الشعبية الأصيلة كما ورثناها عن الأجداد.

قد يختلف كثيرون حول عدالة النتائج، خاصة أن الحسم كان قائمًا على تصويت الجمهور، والتصويت بطبيعته يحمل شيئًا من العاطفة والانتماء والحماسة المناطقية. لكن، وبعيدًا عن الجدل المشروع، يبقى الأهم أن هذه المنافسة لم تُنتج انقسامًا، بل حراكًا جميلًا. من الشوف إلى الجنوب والبقاع والساحل، كان اللبنانيون متابعين، مشجّعين، مصوّتين، ومتحمّسين كما لو أنهم يدافعون عن قطعة من ذاكرتهم.

برجا، منذ الحلقة الأولى، كانت ثابتة الحضور. أداؤها اتّسم بالقوة والتناغم والانضباط الجماعي، وكأنها فرقة تعرف تمامًا ماذا تريد وتذهب إليه بثقة. العبادية قدّمت نموذجًا استعراضيًا متكاملًا، حيث امتزجت الدبكة بالأزياء والإضاءة والتشكيلات المسرحية في لوحات فلكلورية مدروسة بعناية. أما “جذور” النبطية، فقصتها حملت رمزية خاصة؛ صعود تدريجي وتطوّر واضح، وإصرار يشبه الجنوب حين يحوّل الألم إلى طاقة.

الفرق البعلبكية بدورها أعادت الاعتبار للأصالة: صف مستقيم، أكتاف متشابكة، قدم تضرب الأرض بثقة، وصيحات تعبّر عن الفخر. هناك فرق بين الاستعراض والتراث الحي، وهذه الفرق ذكّرتنا أن الدبكة ليست عرضًا تلفزيونيًا فقط، بل ممارسة اجتماعية متوارثة من الساحات والأعراس.

لكن ما يستحق الإضاءة أكثر من النتائج، هو المشهد الشعبي الذي رافق البرنامج. اللبناني، رغم أزماته الاقتصادية والمعيشية، ما زال يبحث عن مساحة يفرح فيها. هذا التفاعل كشف حقيقة بسيطة وعميقة في آن: هذا الشعب يحب الحياة فعلًا، لا كشعار، بل كممارسة يومية حين تتاح له الفرصة.

ولعلّ الرسالة الأهم التي خرج بها “يلا ندبك” هي أن اللبنانيين يستطيعون أن يتكاتفوا ويتفاعلوا ويتحمّسوا عندما تكون المساحة بعيدة عن السياسة والسياسيين. حين يكون العنوان تراثًا لا انقسامًا، وإيقاعًا لا خطابًا، وفرحًا لا اصطفافًا، تصبح المناطق جغرافيا جميلة لا خطوط تماس، ويصبح التنافس حماسة لا خصومة.

ربما لن نتفق جميعًا على من يستحق اللقب أكثر، وربما سيبقى الجدل قائمًا حول آلية التصويت، لكن المؤكد أن الرابح الأكبر كان التراث اللبناني نفسه. ربحنا لحظة جامعة، وذكرى جماعية، وصورة عن بلد يستطيع – رغم كل شيء – أن يقف صفًا واحدًا… ويدبك.

لبنان، حين يدبك، ينسى قليلًا أوجاعه.

وحين يجتمع حول أغنية قديمة وخطوة تراثية، يتذكّر أنه ما زال حيًا…

وأن الفرح، مهما تأخر، يجد دائمًا طريقه إلى الساحة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى