رأي

العملية الإرهابية في “موسكو”: الفاعل الخفي والاهداف المرجوة(فلاح الحسن)

 

د. فلاح الحسن* – الحوار نيوز – بروكسل

 نعتقد ان هناك ثلاثة اهداف رئيسة يسعى المخططون لهذه الجريمة بلوغها:  

أولا: توقيت العملية، جاء لأجل ابعاد الأنظار عن الإبادة الجماعية التي تجري في قطاع غزة ووقف التعاطف الكبير الذي سيطر على الرأي العالمي المنصف والتغيير الاجباري في مواقف الدول الأكثر دعما لدولة الاحتلال، نزولا عند رغبات وتوجهات الشارع بعد التظاهرات الواسعة التي شهدتها اغلب العواصم الكبرى في أوروبا والعالم، وكذلك بيانات الإدانة التي أصدرتها مؤسسات المجتمع المدني تجاه سفك الدماء غير المسبوق الذي طال الأطفال والنساء والمستشفيات والمدارس وكل البنى التحتية في القطاع وردود الفعل الغاضبة المستمرة من اغلب المنظمات الدولية، ما أدى الى قلب ميزان الرأي العام العالمي لصالح ضحايا غزة المدنيين بشكل خاص والى القضية الفلسطينية برمتها واعادتها للواجهة من جديد مع مزيد من الإصرار على إيجاد حل نهائي وحاسم لها.

 لذا وجب إيجاد نقطة صراع أخرى وتوجيه الأنظار لها والانشغال بها وفسح المجال امام دولة الاحتلال للاستمرار بأعمالها العدوانية في القطاع. ولذا تمت اعادة انتاج الإرهاب الديني ودفعه الى الواجهة من جديد وضخ الدماء في مفهوم “الإسلام فوبيا” وتشويه وجه الإسلام الحقيقي، وبالخصوص بعد أن أصبحت دولة الاحتلال متهمة بجرائم الإبادة الجماعية امام محكمة العدل الدولية، وكذلك كثرة استخدام حق النقض الذي اثبت ازدواجية المعايير لدى الدول التي استخدمته في مجلس الأمن لمنع ادانة دولة الاحتلال رغم رفضها تطبيق قرارات الجمعية العمومية في الأمم المتحدة.

 – ثانيا: عزل روسيا عن جوارها الاسلامي في آسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال افريقيا بعد التعاطف الواضح الذي يسود هذه المجتمعات، بخلاف مواقف حكومتها المرتبطة بواشنطن بشكل او بآخر من خلال إعادة استخدام عامل الدين لجر الشارع بعيداً عن روسيا وقطع الصلة بين شعوب هذه المناطق وموسكو، وتحويل الأخيرة الى عدو عقائدياً ودينياً وتحشيد هذه الشعوب ضده كما جرى ذلك في تجارب سابقة مثل حرب أفغانستان ودول إسلامية أخرى وارسال الانتحاريين اليها للقيام بعمليات ارهابية او هجمات في هذه المدينة او تلك لزعزعة الأمن والاستقرار.

 

 ثالثا: تشتيت قوى الأمن الروسي من خلال فتح جبهة داخلية بأبسط وارخص الوسائل من خلال نشر النعرات الدينية وجر الوعي الجمعي الى مناهضة كل ما له صله بهذه البقعة الجغرافية، وخاصة ان الاتحاد الروسي متعدد الأديان والطوائف وقد تكون هذه نقطة مهمة جداً تغري الارهابيين ومن يقف خلفهم لاستخدامها واضعاف الروح المعنوية، بعد ان فشلت تلك الجهات في تفتيت الجبهة الداخلية وإيجاد انصار لها لقلب الحكم كما حصل في الثورات الملونة المدعومة خارجياً، وخاصة بعد العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة والتي كانت تهدف الى تجويع الشعب الروسي ليخرج في تظاهرات عارمة والسيطرة على السلطة في موسكو، لكن هذا السيناريو لم يتحقق كما كان متوقعا في بداية الحرب، لذلك لجأت هذه الجهات الى وسيلة أخرى لتحقيق هذا الهدف وضرب روسيا من الداخل.والاقرب والموجود تحت اليد هو الإرهاب الديني بغطاء اسلاموي تم استخدامه في مناطق متعددة وكانت النتائج مبهرة وناجحة وسريعة.

 

 رابعا: شق الصف الروسي بعد التفاف اغلب فئات المجتمع حول قيادته، وهذا ما اظهرته الانتخابات الأخيرة والمشاركة الفعالة لقوات مقاتلة من جمهوريات الشيشان وتترستان وداغستان بشكل ملفت للنظر في جبهات القتال. وتمتاز هذه الشعوب بقدرتها الكبيرة على القتال والمطاولة في المواقف الصعبة. لذلك جاءت ضرورة اظهار هذه الشعوب بمظهر العدو الداخلي بسبب انتمائها الديني، وذلك من خلال نشر مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي اثناء إطلاق النار على الناس العزل مع صيحات التكبير التي لا يخفى على أحد روابطها والجهات التي تقف خلفها، وتبني المنظمات الإرهابية التي تدعي الاسلام لهذه الجريمة ما يجعل المواطن البسيط يشعر بالخوف من انتشار وتغول هذا الفكر الاصولي في المجتمع الروسي الذي يتكون من مختلف الأديان والطوائف، كما سينظر المواطن الى هذه الجمهوريات نظرة عدائية وهي بداية لتفريقها وابعادها عن موسكو في نهاية المطاف، واضعاف صانع القرار واشغاله بسد هذه الثغرة او تلك وامتصاص الزخم المعنوي الذي قد يأتي نتيجة التطورات العسكرية في ساحة القتال وارباكه للحد من اندفاعه الى امام.

 

الزمان بعد الانتخابات الروسية والمكان في قلب العاصمة موسكو والأدوات البشرية المستخدمة عناصر ذات أصول إسلامية من دولة مجاورة بالتزامن مع التعاطف الكبيرة مع القضية الفلسطينية وعودتها الى الواجهة، كل هذه المعطيات تسهل على المتابع بشكل اولي تحديد هوية المخططين والداعمين لهذه الجريمة والمستفيد الأول منها هو ذلك الذي رمى حجراً فأصاب أربعة عصافير أو أكثر.

 

*فلاح الحسن عضو المركز العربي الأوربي للسياسات وتعزيز القدرات بروكسل

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى