منوعات

الجديد في علاج الذبحة القلبية عام ٢٠١٩

كما كنّا قد أشرنا في مقالات سابقة فإنّ أنواع النوبات القلبية أو الذبحات القلبية تُصنّف بين حالات الخُناق الصدري المُستقّر والتي من المُمكن أن يتمّ علاجها بشكلٍ بارد ودون إستعجال .  وحالات الخُناق الصدري غير المُستقّر من دون إرتفاع في مؤشّر ST segment أي وجود إنخفاض في هذا المؤشّر  أو تغيّرات على تخطيط القلب ،تدّل على وجود نقص تروية في أحد شرايين القلب. وهي حالات يجب إدخال المريض فيها إلى المستشفى من أجل تلقّي العلاجات في فترة تتراوح بين ال ٢٤ و ٧٢ ساعة، ويجب خلالها إجراء عملية تمييل لشرايين القلب  من أجل معرفة حالة شرايينه وتقديم العلاج المناسب . أمّا الحالة الأخطر فهي حالة الذبحة القلبية مع إرتفاع مؤشر ال ST segment على تخطيط القلب فهي الحالة التي سوف نتكلّم عنها في هذه المقالة المُختصرة.
وهنا نشير إلى أنّ الذبحة القلبية أو ما يُعرف باللّغة العربية الفُصحى بحالة  "إحتشاء عضلة القلب" وهي حالة خطيرة جداً ( الأخطر بين اعراض مرض تصلّب الشرايين التاجية للقلب ) يتخلّلها ألم شديد في القفص الصدري يمتد نحو العُنق والفكّين وبين الكتفين أو الى الكتف الأيسر أو الذراع الأيسر.  وهذا الألم يمتد لفترة تتعدّى العشرين إلى الثلاثين دقيقة لكي نتكلّم عن ذبحة قلبية. ويُرافق هذه الحالة حالة غثيان ودوار وشعور بالإختناق مع إحتمال حصول قصور  حاد في عضلة القلب وإحتقان رئوي حاد مع حالة تعرُّق بارد  وتقيؤ، وقد تتطوّر  هذه الحالة الى حالة غياب عن الوعي في حال حصول إضطرابات خطيرة في ضربات وكهرباء القلب.في هذه الحالة يجب فوراً إدخال المريض إلى المستشفى مع التّركيز على النقاط التالية:
١-أهميّة أن يصل المريض إلى المستشفى في فترة لا تتجاوز الساعة من بدء حصول الأعراض . وهي الفترة الذهبية لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الخلايا العضلية القلبية ،لأنّ إستمرار إنسداد الشريان التاجي للقلب المسؤول عن الذبحة القلبية يؤدّي الى موت الخلايا العضلية .ومن هنا تنبع أهمية وصول المريض في أقصى وقت ممكن إلى المستشفى من أجل تلقّي العلاجات اللّازمة.
٢-إنّ العلاجات المتوفرة حالياً تنقسم إلى قسمين :
أ-العلاج بواسطة الأدوية المُذوّبة للجلطات Thrombolytics  أو Fibronolytics وهي أدوية فعّالة جداً ،وإستُعملت لفترات كبيرة في السّابق منذ سبعينيات القرن الماضي . ولكن إستعمالها بدأ بالإنحصار بشكل كبير منذ بعض السنوات بسبب تطوّر العلاجات الأخرى بواسطة الطرق التّدخلية ،أي بواسطة التمييل وتوسيع الشرايين بواسطة تقنيّات البالون والروسور. هذه الأدوية فعّالة جداً ومن الممكن أن يتمّ إستعمالها في المراكز أو المستشفيات النّائية أو البعيدة أو في حال تعثّر وصول المريض إلى مركز مُجهّز بغرفة للتمييل من أجل تلقّي العلاج المناسب بواسطة فتح الشريان بتقنيّات البالون والروسور (مرضى المناطق الذين يصلون إلى المستشفيات الرّيفية البعيدة غير المجهّزة بغرفة تمييل أو بعض المرضى الذين لا تتوفر لديهم الإمكانات المادّية من أجل تغطية كلفة عملية الروسور والبالون بحالة طارئة. 
ب-العلاج بواسطة الطرق التدخلية Interventional cardiology وهو العلاج الذهبي الذي يُستعمل منذ  اكثر من ١٥ سنة. وهو متوفّر في ٢٠١٩ في مُعظم المراكز التي تُعالج مرضى القلب والشرايين في بيروت وفي المدن الكبرى (بيروت،صيدا،صور، طرابلس،زحلة،بعلبك زغرتا،الخ..) أي في حوالي ٤٥ مركزا طبّيا مُجهّزا من أجل إجراء هكذا عمليات. وفي هذه الحالة يتمّ إدخال المريض بحالة طارئة عند وصوله إلى المستشفى دون إضاعة كثيرة للوقت. ويتم إجراء تمييل للقلب وتحديد حالة الشرايين التّاجية للقلب وفتح الشريان التّاجي المسؤول عن الذبحة القلبية بحالة طارئة.
نشير هنا إلى أنّ الفترة الذهبية لإنقاذ أكبر كميّة مُمكنة من الخلايا القلبية تتراوح من ٦٠ الى ٩٠ دقيقة منذ بدء الأعراض وحتى فتح الشريان. وفي هذه الحالة يتمّ وضع روسور من النوع المَطلي بالدواء في معظم الأحيان(٩٥% من المرضى). ويقتصر إستعمال الروسورات من النوع العادي أي غير المَطلي بالدواء للمرضى غير القادرين على تغطية كلفة هذه العمليات .
٣-يبقى المريض الذي تعرّض لذبحة قلبية في العناية الفائقة لمُدة تتراوح من ثلاثة إلى أربعة أيام لمُراقبة حالته الصحية ولمُراقبة المُضاعفات الجانبية التي قد تحصل عند تعرّضه لهذه الحالة ،وهي قد تكون على  شكل إضطرابات في كهرباء القلب،قصور في عضلة القلب،إلتهابات في غشاء القلب،قصور كلوي،قصور كبدي..الخ. ويخرج المريض بعد ذلك إلى غرفة عادية ويُسمَح له بالعودة إلى منزله بعد حوالي أسبوع من تعرّضه إلى الذبحة القلبية.
٤-يجب على المريض الذي تعرّض لذبحة قلبية الرّاحة التّامة في المنزل مدة تتراوح بين عشرة أيام الى خمسة عشر  يوما . ومن المُمكن مُعاودة النشاط المهني والعودة إلى العمل بعد فترة قد تتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع بحسب حالة المريض وبحسب خطورة الذبحة القلبية التي تعرّض لها.
ونشير هنا إلى أنه في معظم الدول الأوروبية والدول المتقدّمة يُوجد مراكز لإعادة تأهيل المرضى حيث يخضعون لتدريبات تدريجية على معاودة النشاط الجسدي تحت مُراقبة طبية وبمُعاونة فريق من الأطباء المتخصّصين في إعادة التأهيل وفريق من أخصائيي التغذية والممرضين والممرّضات المتخصّصين بإيقاف التدخين والإحاطة بالجوانب البسيكولوجية والنفسية للمريض، لأنّ تعرّض المريض لذبحة قلبية في عمرٍ مُبكر قد يغيّر كُلياً نظرته للحياة ،وقد يؤدي احياناً إلى إعاقة نسبية بسبب عدم قدرته على القيام بالجهد بالشّكل المطلوب.
٥-يجب على المرضى الذين تعرّضوا لذبحة قلبية في كل الحالات إيقاف التدخين ومراقبة الضغط الشرياني ومرض السّكري وإرتفاع الذهنيات وتناول الأدوية المناسبة لهذه الحالة، وكذلك تناول أدوية من عائلة مضادات التخثّر لفترة سنة على الأقل والإستمرار في ما بعد بتناول الAspirin  والأدوية الفعّالة الأخرى التي أثبتت فعاليتها في علاج هكذا نوع من المرضى( مضادات Beta وادوية الدهنيات والسكري والضغط  , وأدوية أخرى لتحسين حالة عضلة القلب في حال حصول خلل في عملها) .
٦-تتمّ مُراقبة المريض بشكل خارجي من قِبَل طبيب القلب المُتابع لحالة المريض بشكل دوري كل ثلاثة الى ستة أشهر.  ولا يجب أعادة إجراء تمييل القلب او القسطرة القلبية إلّا في بعض الحالات النادرة التي تظهر فيها علامات مُعاودة إنسداد أو لتطوّر المرض في شرايين أخرى ،ومن الممكن الإكتفاء بفحص الإجهاد القلبي Stress Test أو بالصورة الصوتية للقلب لمتابعة هؤلاء المرضى الذين يجب أن يخضعوا لفحوصات مخبرية بشكل دوري ولتخطيط عادي للقلل بشكل دوري أيضا".
٧-إنّ الذبحة القلبية ورغم خطورتها في سنة ٢٠١٩ لا تستدعي القلق الكبير والخوف الكبير من هكذا مرض، لأنّ علاجات أمراض القلب والشّرايين تطوّرت بشكل كبير في مُختلف دول العالم وفي لبنان أيضاً ،وأصبح من الممكن أن يشفى المريض كلياً من هذه الأعراض إذا ما تمّ علاجه في الوقت المناسب المطلوب. من أجل ذلك ننصح المرضى بعدم الإنتظار كثيراً قبل إستشارة الطبيب والتّوجه الى المستشفى في حال حصول أية أعراض قد تكون ناتجة عن ذبحة قلبية. وهنا نُشير الى أهمية أن يصل المريض في الساعة الأولى من حصول الأعراض. لكن هناك دراسات تشير بأنّ الإستفادة مُمكنة حتى ولو وصل المريض خلال ٦ ساعات من بدء حصول الأعراض أو حتى ١٢ أو ٢٤ ساعة من بدء حصول الأعراض، لكنّ الفائدة في هذه الحالة تكون أقل بكثير لأنّ الضرر المُمكن في عضلة القلب يكون قد حصل.
٨-يجب أن ننصح كل المرضى الذين تعرّضوا لذبحة قلبية بشكلٍ عام أن يعودوا لمعاودة النشاط الجسدي والقيام بتمارين رياضية دورية، لما في ذلك من أهمية كبيرة في إعادة تقوية عضلة القلب وفتح شعيرات شريانية صغيرة لتغذية المنطقة المُتضرّرة.  وقد أثبتت دراسات كثيرة أهمية هذه التمارين الرياضية في إعادة تنشيط وتقوية عضلة القلب.
*طلال حمود-طبيب قلب تدخّلي-رئيس جمعية عطاء بلا حدود وملتقى عطاء وحوار بلا حدود.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى