رأي

الحكومة التي تجرّم الدفاع عن النفس ! (أسامة مشيمش)

 

بقلم د. أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز

انتهت الحرب الأخيرة، لكن تداعياتها لم تنتهِ، لا في الجنوب ولا في وجدان اللبنانيين. بلدٌ مدمّر، قرى مهدّمة، وشعبٌ تُرك يواجه مصيره، فيما الدولة اللبنانية تتصرّف وكأنها خارج الحدث. الاتفاق كان واضحًا: تنفيذ القرار 1701 دون زيادة أو نقصان، كما أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري. لكن ما جرى على أرض الواقع كان شيئًا مختلفًا تمامًا: التزام لبناني شبه كامل، مقابل مماطلة إسرائيلية مكشوفة، وصمت رسمي مريب.

خمسة عشر شهرًا من الاعتداءات اليومية: اغتيالات، غارات، تفجيرات، واعتقالات، فيما المواطن الجنوبي يُسأل بالصمت: أين الدولة؟ أين السيادة التي تتغنّى بها السلطة؟ بل أين الحدّ الأدنى من الكرامة الوطنية؟ الأخطر من ذلك أن الحكومة لم تكلّف نفسها حتى عناء تقديم شكوى جدّية إلى مجلس الأمن الدولي، وكأن دماء اللبنانيين لا تستحق حتى ورقة احتجاج.

المهزلة لا تقف هنا. مبعوثون دوليون، وعلى رأسهم الأميركيون، يعلنون صراحة أنهم عاجزون عن ضمان وقف الاعتداءات الإسرائيلية، حتى لو جُرّد لبنان من عناصر قوته. ومع ذلك، تصرّ الحكومة على المضي في سياسة الخضوع، متجاهلة أبسط قواعد التوازن في العلاقات الدولية.

الأدهى أن هذه الحكومة نفسها، برئاسة نواف سلام، تدرج في بيانها الوزاري بندًا واضحًا يؤكد حق لبنان في الدفاع عن نفسه وفق ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة 51 التي تكرّس هذا الحق. لكن، بدل ترجمة هذا الالتزام إلى سياسات تحمي المواطنين، نراها تنقلب عليه، وتتعامل معه وكأنه تفصيل قابل للتجاهل.

كيف يمكن لحكومة تعترف بحق الدفاع عن النفس أن تُجرّم هذا الدفاع؟ كيف لها أن تطالب الأجهزة الأمنية بملاحقة من يقاومون الاحتلال والاعتداء، فيما تعجز عن حماية شعبها أو حتى رفع الصوت في المحافل الدولية؟ أليست هذه مفارقة فاضحة، بل فضيحة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان؟

إن القرارات الأخيرة، ولا سيما تلك المتعلقة بحظر الجناح العسكري والأمني لبعض القوى، لا يمكن قراءتها إلا كتناقض صارخ مع البيان الوزاري نفسه، بل كإعلان ضمني عن تخلّي الدولة عن مسؤولياتها السيادية. والأسوأ أنها تضرب أيضًا التوازنات التي أرسيت بموجب اتفاق الطائف، الذي لم يلغِ مفهوم المقاومة في ظل الاحتلال.

ما نشهده اليوم ليس مجرد تقصير، بل انحدار خطير في مفهوم الدولة ودورها. حكومة تتخلّى عن واجبها في حماية شعبها، وتتنكّر لنصوصها، وتخضع للضغوط الخارجية، لا يمكن أن تستمر وكأن شيئًا لم يكن. إن طرح الثقة بها لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية، وإقالتها لم تعد مطلبًا، بل واجبًا.

لبنان لا يحتاج إلى حكومة تكتب بيانات جميلة، بل إلى دولة تحمي شعبها. وما بين البيان والممارسة، تسقط اليوم هيبة الدولة، او ما تبقى من ثقه اللبنانيين..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى