رأي

نتنياهو وواشنطن: هل بدأ زمن أفول النفوذ(أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
لا يأتي اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، المقرر يوم الأربعاء المقبل، بوصفه محطة بروتوكولية عابرة، بل يندرج في سياق سياسي بالغ الدلالة، يعكس حجم التحولات العميقة التي تطال بنية النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، ويكشف عن مرحلة جديدة لم تعد فيها معادلات الأمس صالحة لإدارة صراعات اليوم.
فعلى مدى عقود، شكّل اللوبي الصهيوني رافعة أساسية للقرار الأميركي في الشرق الأوسط، مستندًا إلى شبكة معقدة من المصالح والضغوط والتحالفات داخل النخبة الحاكمة. غير أن هذا النفوذ، الذي بدا في فترات سابقة شبه مطلق، يتعرض اليوم لتآكل متسارع، بفعل تداخل عوامل داخلية أميركية، وضغوط دولية، وتحولات إقليمية لم تكن في الحسبان.
زيارة نتنياهو تأتي في لحظة اختناق سياسي غير مسبوقة تعيشها تل أبيب، حيث تتراكم الأزمات من كل اتجاه: فضائح داخلية تطال رأس الهرم الحاكم، إخفاقات أمنية تكسر صورة الردع، وضغوط اقتصادية خانقة تحدّ من قدرة إسرائيل على المناورة. وفي ظل هذه البيئة المأزومة، يبدو نتنياهو وكأنه يسعى إلى استدعاء مظلة قديمة، في وقت لم تعد فيه واشنطن مستعدة لمنح شيكات مفتوحة، ولا لتحمل كلفة الانحياز غير المشروط.
الأهم من ذلك أن الولايات المتحدة نفسها تعيش مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، تعيد فيها ترتيب أولوياتها وفق منطق المصالح القومية الصرفة، بعيدًا عن الاعتبارات الأيديولوجية التي حكمت علاقاتها التقليدية. هذا التحول لا يعني بالضرورة القطيعة مع إسرائيل، لكنه يعني بوضوح نهاية مرحلة الامتياز المطلق، وبداية علاقة أكثر براغماتية، تُقاس فيها التحالفات بالربح والخسارة لا بالولاء السياسي.
في المقابل، تشهد المنطقة صعود قوى إقليمية باتت قادرة على فرض معادلات جديدة، وفي مقدمتها التقارب المصري التركي، الذي أعاد رسم خطوط التوازن في شرق المتوسط. هذا التقارب، بما يحمله من تنسيق عسكري وأمني، لم يعد مجرد حالة ظرفية، بل تحوّل إلى عامل ضغط استراتيجي يقيّد الحركة الإسرائيلية، ويفرض واقعًا سياديًا جديدًا في ملفات الطاقة والممرات البحرية.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الإخفاقات الأمنية الأخيرة، وفي مقدمتها تفكيك شبكات تجسس معقدة، كشفت هشاشة المنظومة الاستخباراتية التي طالما قُدّمت كأحد أعمدة التفوق الإسرائيلي. فحين تتهاوى أسطورة الأمن، وتتراجع القدرة على الردع، يصبح النفوذ السياسي في الخارج أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للمساومة.
داخليًا، يدفع نتنياهو ثمن سنوات من إدارة الحكم بعقلية الشخصنة والهيمنة، حيث تحولت الفضائح الأخلاقية والسلوكية المحيطة بعائلته من قضايا إعلامية إلى عبء سياسي ثقيل، يعكس حالة تفكك داخل مؤسسة الحكم، ويضعف قدرة القيادة على فرض الانضباط والشرعية في الداخل، فضلًا عن الخارج.
من هنا، يمكن القول إن زيارة نتنياهو إلى واشنطن ليست تعبيرًا عن قوة، بل محاولة لاحتواء خسائر متراكمة، والسؤال الحقيقي لا يكمن فيما سيحصل عليه من وعود، بل في مدى قدرتها على الصمود أمام واقع دولي وإقليمي يتغير بسرعة. فالعالم لم يعد كما كان، وشبكات النفوذ القديمة لم تعد تحمي أصحابها من تبعات الفضائح أو فشل السياسات.
قد يراهن نتنياهو على ترامب بوصفه ملاذًا أخيرًا، غير أن الرهانات الفردية في زمن التحولات الكبرى غالبًا ما تكون خاسرة. فالقوة اليوم لا تُقاس بقربك من البيت الأبيض، بل بقدرتك على بناء تحالفات حقيقية، وصمود اقتصادي، وشرعية داخلية، وهي عناصر تبدو إسرائيل اليوم في أمسّ الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى