العالم العربيسياسةصحف

عشرة آلاف مستوطن جديد نحو سوريا: إسرائيل تسرّع الاستيطان في الجولان( فراس الشوفي)

   

 

الحوارنيوز – صحافة

 

تحت هذا العنوان كتب فراس الشوفي في صحيفة الأخبار:

 

تسارع إسرائيل وتيرة الاستيطان في الجولان مستفيدة من تراجع القدرات السورية والدعم الأميركي، ضمن خطة لرفع عدد المستوطنين بشكل كبير. ويهدد هذا التوسع بتكريس واقع ديموغرافي وأمني جديد يشكّل تحدياً جديداً أمام سكان الجنوبَين السوري واللبناني والشمال الأردني.

 

لطالما خطّطت إسرائيل لرفع وتيرة الاستيطان اليهودي وتوسيع البنية التحتية للمشروع الاستيطاني على هضبة الجولان المحتلّة، منذ ما قبل إقرار «الكنيست» «قانون مرتفعات الجولان» في 14 كانون الأول 1981، والقاضي بـ«ضمّ» الهضبة إلى إسرائيل. وتمثّلت آخر هذه الخطط، في إقرار الحكومة الإسرائيلية مبالغ تتجاوز 334 مليون دولار أميركي، من ضمن خطّة خماسية تهدف إلى رفع عدد المستوطنين في الهضبة المحتلّة إلى خمسين ألفاً بحلول عام 2030.
غير أن التوسعة الديموغرافية عبر رفع عديد المستوطنين وعدد المستوطنات في الهضبة المحتلة، اصطدمت دائماً بخشية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من احتمال الاضطرار إلى التخلّي عن الهضبة في حال توقيع «اتفاق سلام» مع سوريا، أو في حال تجدّد الحرب على الجبهة الشمالية الشرقية مع السوريين. وعلى مدى ستين عاماً مستمرّة من الاحتلال، بقي الاستيطان في الجولان «خجولاً»، بالمقارنة مع المساحة المحتلة والميزات المناخية والبيئية التي تميّز الهضبة؛ إذ شكّل القلق الأمني هاجساً أساسياً أمام مجموعات المستوطنين للتوجه والاستقرار في منطقة غير محسومة المصير، وتنتشر بقربها وحدات قتالية سورية.
على أن السنوات الأخيرة التي تراجعت خلالها قدرات دمشق في الجنوب السوري، وصولاً إلى سقوط النظام السابق في نهاية عام 2024، شهدت للمرة الأولى تجاوزَ عدد المستوطنين في الهضبة المحتلة، عدد السّكان السوريين الأصليين المتبقّين في خمس قرىً سورية (الغجر، مسعدة، مجدل شمس، بقعاتا وعين قنيا)؛ إذ بلغ عدد المستوطنين أكثر من 26 ألفاً، بحسب ما أعلنت لجنة الأمم المتحدة المَعنيّة بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية، في نهاية عام 2023. ويسكن هؤلاء المستوطنون الذين ينحدر معظمهم من أصول أوروبية وأميركية وروسية، في حوالي 30 مستوطنة ومزرعة تقوم بغالبيتها على أنقاض قرىً ومزارع سورية أخفى الاحتلال معالمها. وكان عمل العدو على هدم وتدمير ما يزيد عن 384 قرية ومزرعة منذ احتلال الجولان في حزيران 1967، وتهجير ما يزيد على نصف مليون سوري من محافظة القنيطرة نحو درعا ودمشق وريفها.

ويستفيد الاحتلال حالياً من عدّة عوامل لزيادة الزخم الاستيطاني في الجولان والضفة الغربية، فيما باتت مجموعات من حركات الاستيطان تجتاز الحدود نحو جنوب سوريا ولبنان برعاية وحماية من جهات داخل منظومة الاحتلال، رغم ادعاء الجيش قمعه هذه التحركات، بذريعة تشكيلها خطراً على حياة تلك الجماعات وعلى الصورة السياسية للكيان. ولعلّ أحد أبرز العوامل التي شجّعت الاحتلال على المضيّ قدماً في توسيع المشاريع الاستيطانية، هو انتهاء الخطر الذي كان يشكّله الجيش السوري السابق على الجولان المحتلّ، وشعور المؤسسة الأمنية بأمان عالٍ على الجبهة الشمالية الشرقية لرفع عديد المستوطنين، ولا سيّما بعد نجاح إسرائيل في تدمير ونزع السلاح الثقيل من أيدي الجيش السوري الجديد في المحافظات الجنوبية، وانتزاع تنازلات سيادية من الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، وذلك في أكثر من جولة تفاوض جمعت الطرفَين برعاية الموفد الأميركي إلى سوريا والسفير في تركيا توماس برّاك.
أمّا العامل الأساسي الآخر الذي يشجّع الاحتلال على استغلال الوقت والظروف، فهو الغطاء الذي يشكّله الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للاستيطان في الهضبة وفي الضفة الغربية. وسبق أن اعترفت إدارة ترامب، في نهاية ولاية الرئيس الجمهوري الأولى، بـ«السيادة الإسرائيلية» على الجولان المحتلّ، تنفيذاً لمطالب اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، والذي قدّم دعماً مالياً لترامب في حملته الانتخابية الأولى، مقابل وعد محدّد بالاعتراف بـ«السيادة».

ويضع المشروع الجديد، القائم على الدفع بخمسين ألف مستوطن جديد إلى هضبة الجولان المحتل، تحدياً جديداً أمام سكان الجنوبَين السوري واللبناني والشمال الأردني؛ إذ يعني زيادة ما لا يقلّ عن عشرة آلاف مستوطن مسلح جديد، مدعومين بقطعات عسكرية نظامية من الجيش الإسرائيلي الذي سيعزز حكماً من وجوده العسكري لضمان الحماية الكاملة للمستوطنات الجديدة، وهو ما سيرفع الخطر على الأجزاء الشمالية والغربية والشرقية للدول القريبة من الجولان. كما سيضع هذا المخطط ضغطاً إضافياً على الموارد في الهضبة، ويشجّع على محاولات السيطرة على مساحات أكبر من الجنوب السوري بذريعة الحماية وخلق منطقة آمنة شمالاً وشرقاً وغرباً تمتدّ حتى لبنان، يكون عمادها جبل الشيخ وموارده المائية.

وتترافق «الخطة الخماسية»، مع مشاريع أخرى لاستجلاب مليون مستوطن جديد إلى إسرائيل – خصوصاً من أوكرانيا وروسيا -، وذلك لملء الأرض التي يطمح الاحتلال إلى السيطرة عليها في الضفة وسوريا ولبنان. كما تترافق مع حملات ودعوات لاستقطاب جماعات غير يهودية من الهند الصينية والهند وأفريقيا – تحت ذرائع مختلفة -، سعياً إلى تقليص الهامش الديموغرافي مع الفلسطينيين، والذي بات أولويةً بالنسبة إلى الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023.

ولا تساعد الظروف الحالية في سوريا، على مواجهة هذا المشروع سياسياً أو عسكرياً، خصوصاً أن الصدع في الجبهة السورية أصاب مقتلاً بعد هجمات السويداء والتدخل العسكري الإسرائيلي، وما أنتجته أحداث العامين الأخيرين من تأثيرات سلبية على المناخ الوطني والقومي في سوريا. وفي الوقت الذي تمثّل فيه الإدارة الأميركية الحالية الراعي الأول للنظام السوري الجديد، فهي تمرّر عبر دبلوماسية الرعاية هذه، مشاريع الاستيطان وتوسعة أرض إسرائيل، التي يراها ترامب «صغيرة». ويأتي ذلك وسط عجز أممي وغربي وعربي عن فرض أيّ قيود على الاستيطان المتمدّد في كلّ مكان تطاوله قوات الاحتلال والمجموعات الاستيطانية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى