منوعات

هل نحن امام عصر نووي جديد؟

 

د. طنوس شلهوب
أورد موقع مونت كارلو الدولية خبراً مفاده أن الصين تمكنت أخيراً وبنجاح من تشغيل مفاعل نووي يعمل وفق مبدأ الاندماج النووي. وفي التفاصيل، أن الصين كانت شرعت ببناء هذا المفاعل منذ ١٤ عاماً، وبلغت كلفته الاجمالية ٢٣ مليار دولار. واستند موقع مونت كارلو الى تقرير اورده موقع Phys.Org البريطاني المتخصص بنشر الأخبار العلمية في 4 كانون الأول 2020، حيث أن المفاعل الذي يقع جنوب غرب مقاطعة سيتشوان وتم الانتهاء من بنائه أواخر عام 2019 ،سيطوّر اندماجاً نووياً يلبي احتياجات الصين الحالية من الطاقة وهو ضروري لتطوير الطاقة المستدامة في الصين.

من المعروف ان كل التكنولوجيا النووية التي كان نجح العلماء في تطويرها (السلاح النووي، مُفاعلات محطات انتاج الطاقة) تقوم على مبدأ الانشطار النووي، في حين ان عمليات الاندماج النووي هي خاصية لما يحدث من تفاعلات في النجوم، وضمناً في الشمس، والمترافقة مع اطلاق كميات هائلة من الطاقة (الحرارة والضوء).
والاندماج النووي هو عملية تتجمع فيها نواتان ذريتان لتكوين نواة واحدة أثقل. ويلعب اندماج النوى الخفيفة مثل البروتون ،وهو نواة ذرة الهيدروجين والديوترون، نواة الهيدروجين الثقيل والتريتيون وهو نواة التريتيوم، دوراً هائلاً في العالم وفي الكون، حيث يطلق خلال هذا الاندماج كمية هائلة من الطاقة تظهر على شكل حرارة وإشعاع كما يحدث في الشمس، فتمدنا بالحرارة والنور والحياة. اذاً، لا حياة من دون الاندماج النووي، والذي يطلق طاقة هائلة ناجمة عن فقد في وزن النواة، وهذا الفقد في الكتلة يتحول إلى طاقة طبقاً لمعادلة أينشتاين الشهيرة التي تربط الكتلة والطاقة (E=mc2) .

إن فائدة الاندماج النووي تكمن في إطلاقه كميات طاقة أكبر بكثير مما يطلقه الانشطار. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المحيطات تحتوي بشكل طبيعي على كميات كافية من الديوتيريوم اللازم للتفاعل، فإذا نجح الإنسان في ترويض تلك الطاقة فإنه سيؤمن تغذية الكوكب بالطاقة لمدة آلاف السنين، ناهيك عن أن المواد المنبعثة عن الاندماج (خصوصا الهيليوم 4) ليست مواداً مشعّة.
وعلى الرغم من العدد الكبير من التجارب التي تم القيام بها في كل أنحاء العالم منذ خمسين سنة، فإنه لم يتم التوصل إلى بناء مفاعل يعمل بالاندماج، وكل ما استطاع الإنسان التوصل إليه في هذا المجال جاء في المجال العسكري بابتكار القنبلة الهيدروجينية.
ويحدث تفاعل الاندماج النووي عندما تتداخل نواتان ذريتان. ولكي يتم هذا التداخل، لا بد من أن تتخطى النواتان التنافر الحاصل بين شحنتيهما الموجبتين (و تعرف الظاهرة بالـحاجز الكولومبي). ومن المعروف ان الطاقة اللازمة للاندماج هي كبيرة جداً، وهو ما يقابله حرارة أكثر من عشرات أو ربما مئات الملايين من الدرجات المئوية حسب طبيعة النوى. وفي داخل الشمس على سبيل المثال، يجري تفاعل اندماج الهيدروجين المؤين عبر مراحل وينتهي بتولد الهيليوم في ظل حرارة تقدر ب 15 مليون درجة مئوية، ويحدث ذلك ضمن عدة تفاعلات مختلفة تنتج عنها حرارة الشمس. وتتواصل عملية الاندماج إلى العناصر الخفيفة ثم المتوسطة ثم ينتج منها العناصر الثقيلة مثل الحديد.

واذا تأكد الخبر الذي اوردته مونت كارلو الدولية فان الصين تكون السباقة في تحقيق قفزة هائلة في مجال ترويض الطاقة النووية عبر تحويل المعرفة الفيزيائية النظرية لعمليات الاندماج النووي الى تكنولوجيا قابلة للاستثمار (خلافاً للقنبلة الهيدروجينية، والتي تشكل تطبيقاً لمبدأ الاندماج النووي غير المُتحكم به)، وهذا سيضع البشرية امام مسارات جديدة من انتاج الطاقة، سيكون لها الاثر النوعي على حاضر البشرية ومستقبلها.

 
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى