إقتصاد

مضيق هرمز يحرق الإئتمان : العالم على أعتاب أزمة رهن عقاري جديدة؟ (عماد عكوش)

 

 

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

 

شهد قطاع الرهن العقاري في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحولات جذرية خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة ، مدفوعة بارتفاع حاد في معدلات الفائدة على القروض العقارية ، هذا الارتفاع لم يأتِ من فراغ ، بل هو نتيجة مباشرة لتجدد التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران ، وما تلاها من تداعيات طالت أسواق الطاقة ورفعت توقعات التضخم إلى مستويات مثيرة للقلق ، 

ففي الولايات المتحدة ، رغم تثبيت الاحتياطي الفيدرالي لتكاليف الاقتراض قصيرة الأجل حتى عام 2026، فإن معدلات الفائدة على قروض الرهن العقاري لمدة 30 عاماً، وهي الأكثر شيوعاً، تحوم حول أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام ، فقد بلغ متوسط سعر الفائدة 6،67% هذا الأسبوع ، مرتفعاً من 6،43% في مطلع يوليو ومن 5،98% قبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير، هذا المستوى يتجاوز ما كان عليه قبل أن يجري الاحتياطي الفيدرالي ثلاث تخفيضات في الفائدة في أواخر عام 2025، ويعكس مخاوف الأسواق من صعوبة احتواء التضخم الناجم عن الحرب على إيران بعد انهيار وقف إطلاق النار الهش بين واشنطن وطهران الشهر الماضي ،

وفي المملكة المتحدة ، ارتفع متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري الثابت لمدة خمس سنوات إلى 5،66% في تموز ، مسجلاً أول ارتفاع شهري منذ نيسان ، وباستثناء الأشهر الأولى من الحرب ، لم تصل الفائدة إلى هذا المستوى منذ أواخر عام 2023 ، كما ارتفعت أسعار مقايضة الفائدة التي يستخدمها المقرضون لتحديد أسعار قروضهم الثابتة ، متأثرة بالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران ، أما في منطقة اليورو ، ففي ألمانيا ارتفع معدل الفائدة التمثيلي للقرض العقاري الثابت لمدة عشر سنوات من 3،3% في مطلع تموز إلى 3،7% مطلع الأسبوع الجاري ، وفي فرنسا ارتفع متوسط المعدل من 3،02% في حزيران إلى 3،15% في تموز، وقد رفع البنك المركزي الأوروبي في حزيران سعر الفائدة الرئيسي إلى 2،25% استجابة للصراع في الشرق الأوسط،

هذا الارتفاع في الفوائد لم يبقَ حبيس الأرقام ، بل انعكس بشكل مباشر على سلوك المشترين وأصحاب المنازل على جانبي الأطلسي ، في الولايات المتحدة ، يصف محللون سوق الإسكان حالة “الجمود” التي تسود السوق ، حيث يمتنع أصحاب المنازل الذين يدفعون أقساطاً منخفضة عن البيع حتى تنخفض الفوائد مجدداً، في ظاهرة تعرف بـ “تأثير حبس السعر المنخفض”، وقد أدى ارتفاع الفوائد إلى زيادة القسط الشهري للقرض العقاري على المنزل المتوسط بنحو 150 دولاراً أميركياً منذ بداية العام ، ما زاد من ضغوط تكلفة المعيشة الناجمة عن تأثير الحرب على أسعار الوقود،

وفي المملكة المتحدة ، انخفض عدد المبيعات المتفق عليها في تموز بنحو عُشر ما كان عليه في العام الماضي ، وقد أضافت الفوائد المرتفعة ما معدله 103 جنيهات إسترلينية شهرياً إلى متوسط قسط الرهن العقاري منذ بداية العام ، لتصل إلى 201 جنيه إسترليني للمشترين في لندن ، وفي ألمانيا ، أشار مسؤولون في شركة وساطة عقارية إلى أن الارتفاع الحاد في الفوائد خلال أسابيع فليلة “أثار قلق السوق” ، بينما تواجه منطقة اليورو عموماً تحديات إضافية تتمثل في اعتمادها على واردات الطاقة ، حيث بلغت نسبة الاعتماد 57% في عام 2024 ، ما يجعلها حساسة بشكل خاص لاضطرابات إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط،

بناءا عليه حذّر بنك إنجلترا من أن أكثر من خمسة ملايين أسرة بريطانية تواجه زيادة في أقساط الرهن العقاري عند تجديد قروضها ، ومن بين هؤلاء، يواجه نحو 750,000 أسرة تدفع حالياً فائدة أقل من 3% زيادة شهرية بمتوسط 170 جنيهاً استرلينياً عند تجديد قروضها في عام 2026، ورغم هذه الضغوط ، يرى البنك أن مستويات ديون الأسر البريطانية لا تزال منخفضة مقارنة بالمتوسطات التاريخية ، وأن نسبة الأسر التي تنفق أكثر من 70% من دخلها بعد الضرائب على سداد الديون بلغت 1،6% فقط في الربع الأول من 2026، وهي قريبة من متوسط العقد الماضي،

في منطقة اليورو، يشير التقرير الدوري للاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي الأوروبي في ايار 2026 إلى وجود فجوة مثيرة للاهتمام تتمثل في ارتفاع عدد حالات الإفلاس في قطاع الشركات مقابل انخفاض مستويات القروض المتعثرة في البنوك ، مما يعني أن المخاطر النظامية قد تكون أقل حدة مما يوحي به ارتفاع حالات الإفلاس ، لكنه لا ينفي وجود ضغوط حقيقية على القطاع المصرفي ، أما في الولايات المتحدة ، فتشير بيانات الاحتياطي الفيدرالي إلى أن إجمالي ديون الشركات والأسر مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي واصل الانخفاض ليصل إلى مستويات لم يشهدها منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي ، كما تظهر البيانات أن معدلات التخلف عن سداد الرهن العقاري لا تزال منخفضة بالمعايير التاريخية ، وأن هوامش حقوق الملكية في المنازل لا تزال كبيرة ، مع بقاء معظم الديون في أيدي مقترضين يتمتعون بدرجات ائتمانية عالية ، ومع ذلك ، حذّر التقرير من ارتفاع حالات التخلف عن سداد قروض إدارة الإسكان الفيدرالية عن مستويات ما قبل الجائحة،

كما أظهرت اختبارات التحمل التي أجراها بنك إنجلترا قدرة النظام المصرفي البريطاني على مواصلة دعم الأسر حتى في ظل ظروف اقتصادية ومالية قاسية ، وبالمثل ، أكدت هيئة التنظيم الاحترازي الأسترالية أن النظام المصرفي الأسترالي يمكنه تحمل ركود عميق وارتفاع حاد في تكاليف التمويل واضطرابات تشغيلية خطيرة في آن واحد ، بفضل ضمانات قوية من حيث رأس المال والسيولة والاحتياطات الحكيمة،

لكن الخطر الحقيقي قد يأتي من قنوات انتقال الصدمات الجيوسياسية ، والتي حددها بنك الاحتياطي الأسترالي في أربع قنوات رئيسية وهي الأوضاع المالية (تقلبات الأسواق وارتفاع تكاليف التمويل) ، والاقتصاد الحقيقي (اضطرابات التجارة وإمدادات السلع الأساسية التي تثبط النمو وتزيد التضخم والبطالة) ، والأمن والسلامة (هجمات إلكترونية وحملات تضليل) ، والاستجابات السياسية الدولية (عقوبات وقيود على رأس المال وتعريفات جمركية)،

وتواجه منطقة اليورو تحدياً خاصاً يتمثل في اعتمادها الكبير على واردات الطاقة ، فالحرب في الشرق الأوسط أدت فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز ، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار الطاقة واضطرابات محتملة في سلاسل التوريد مع تأثيرات قد تكون نظامية ، وقد دخلت المنطقة هذا الاضطراب بمخزونات غاز منخفضة تاريخياً ، ما يجعل إعادة التخزين أكثر كلفة ويطيل أمد ارتفاع أسعار الطاقة،

لقد أدى الارتفاع في أسعار النفط والطاقة إلى زيادة توقعات التضخم ، ما انعكس على عوائد السندات الحكومية ومقايضات الفائدة في الأسواق المالية ، ويشير المحللون إلى أن استمرار الاضطرابات حول مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط وتوقعات التضخم إلى مستويات أعلى ، مما يزيد احتمال رفع أسعار الفائدة مستقبلاً،

ورغم التحذيرات ، لا تزال البنوك في وضع قوي نسبياً . ففي بريطانيا ، أشار التقرير إلى أن المخاوف المتعلقة بارتفاع تكاليف الاقتراض قد تدفع أسعار الفائدة على الرهن العقاري إلى الارتفاع ، لكن الضغوط على القطاع المصرفي ما زالت محدودة ، وفي منطقة اليورو ، يراقب البنك المركزي الأوروبي عن كثب تأثير ارتفاع حالات الإفلاس على جودة محافظ القروض المصرفية ، ومع ذلك ، ارتبطت أسواق الأسهم العالمية بارتفاع في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ، لكن هذا الارتفاع رافقه تركيز متزايد في مؤشرات الأسهم العالمية وارتفاع في الرافعة المالية لصناديق التحوط في أسواق الأسهم ، ما يشكل مخاطر إضافية على الاستقرار المالي،

أخيرا يمثل ارتفاع معدلات الرهن العقاري في الولايات المتحدة وأوروبا تحدياً حقيقياً للأسواق العقارية والاستقرار المالي العالمي ، ورغم أن المؤشرات الحالية لا تشير إلى أزمة وشيكة في القطاع المصرفي بفضل الاحتياطات الرأسمالية القوية وانخفاض معدلات التخلف عن السداد تاريخياً ، إلا أن استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والضغوط التضخمية، قد يؤديان إلى مزيد من التدهور في القدرة على تحمل الديون ، خاصة بين الفئات الأكثر ضعفاً.

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى