الاتصالات ستلغي «تشريج» الأيام والدولارات ( زينب بزّي)

الحوارنيوز – صحافة
تحت هذا العنوان كتبت زينب بزي في صحيفة الأخبار:

لم يعد ممكناً التعامل مع ما تقوم به حكومة «الإصلاح والإنقاذ» باعتباره سلسلة أخطاء أو قرارات منفصلة. فالسلطة، كلما احتاجت إلى زيادة إيراداتها أو إعادة تنظيم قطاع ما، تجد الطريق الأسهل إلى جيب الفقير، وتحمّله كلفة أي مال إضافي تريد تحصيله. أمس، ساد تخبّط كبير في وزارة الاتصالات بعد تسرّب معلومات عن توجّه لوقف الـCredit Transfer الذي يتيح للمواطن «تشريج» الأيام والدولارات بشكل منفصل، من دون اضطراره إلى تحمل عبء شراء بطاقة كاملة.
بحسب معلومات «الأخبار»، انشغل المعنيون بكيفية تسرّب الخبر، فيما كان موظفون في الوزارة وجهات
في «ألفا» و«تاتش» يجهلون وجوده أو ينفونه. حتى إن موظفة في «تاتش» استغربت الأمر لأنها شخصياً تعتمد تشريج الأيام. لكنّ المعطيات تشير إلى أن هناك توجّهاً جدّياً لهذا الإلغاء، وأن التأخر في توضيحه أو إعلانه ناتج فقط من بحث الوزارة عن مخرج لتبريره، إذ سيعني القرار، عملياً، وقف الطريقة التي تتيح للمشترك أن يطلب من المحلّ بضعة أيام أو دولاراً أو دولارين وإجباره على شراء بطاقات وفئات تعبئة مُحدّدة مُسبقاً تكون لاستهلاكه الخاص وحده.
وبعد الضجة، بدأت تُنشر معلومات تحمّل الشركتين مسؤولية الدفع في اتجاه هذا القرار، بما يوحي بمحاولة إبعاد المسؤولية عن الوزير. وهذا يطرح سؤالاً إضافياً: إذا كانت الشركتان هما من تضغطان فعلاً، فمن يدير القطاع ومن يملك القرار النهائي؟ أليس هو الوزير؟ وإذا لم يكن الوزير صاحب القرار، فلماذا يُسمح بتمرير إجراء يمسّ المشتركين من دون إعلان أو دراسة أثر، أو حتى معرفة جزء من موظفي الوزارة والشركتين به، وكأنه سرّ «أمني» خطير؟
المشكلة ليست تقنية. فالـCredit Transfer يتيح لمحدودي الدخل شراء حاجاتهم «على القدّ» بميزانية متناسبة مع معيشتهم وقدرتهم. أي إنّ إلغاء هذه المرونة من دون بديل آخر يعني أن الوزارة لا تحتاج إلى رفع التعرفة حتى تزيد الكلفة على المواطن. يكفي أن تجبره على شراء فئة أكبر من حاجته وأكثر من قدرته المالية. والأسوأ، أنّ ذلك يأتي فيما كلفة الاتصال مرتفعة أصلاً قياساً إلى الدخل. فبحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، بلغت كلفة سلة معيارية من الإنترنت الخلوي بسعة 5 غيغابايت في لبنان 3.03% من نصيب الفرد الشهري من الدخل القومي في عام 2025، مقابل وسيط عالمي بلغ 1.4%. والهاتف والإنترنت لم يعودا ترفاً يستطيع المواطن الاستغناء عنهما، كونهما يدخلان في صلب الحياة اليومية للمواطنين.
الوزير يحاول استبعاد نفسه عن القرار المُتّخذ وكأنه ليس حاكماً أوحدَ على الشركتين
إزاء هذا القرار الجديد تثار أسئلة عديدة. أولها، ما الأسباب الموجبة أصلاً؟ وما الخلل الذي يعالجه وقف الـCredit Transfer؟ ومن المستفيد من نقل عمليات التشريج إلى البطاقات المُحددة مُسبقاً؟ وهل سأل صاحب هذا القرار «الاستراتيجي» نفسه كم مشتركاً يعتمد على تشريج الأيام والدولارات؟ وكم سيضطر إلى دفعه بعد وقف هذه الآلية؟ وهل يستطيع تحمّل كلفة ذلك أساساً؟ وهل درست الوزارة الأثر المالي والاجتماعي للقرار قبل السير به؟
يُذكر أنّ القرار الأخير ليس معزولاً عن طريقة إدارة الوزارة في الفترة الأخيرة. فتارة يُرخّص لـ«ستارلينك»، وتارة أخرى يُدفع موظفو «أوجيرو» نحو «ليبان تيليكوم» من دون الضمانات التي يطالبون بها، قبل أن يدخل الضغط الأمني على خط نزاعهم النقابي، وساعة يُعيّن مستشارون وموظفون من دون سابق حاجة، واليوم يصل الدور إلى طريقة تشريج الهاتف بما يمسّ جيبة الفقير مباشرة، دون أدنى توضيح. ألم تندلع ثورة أيام الوزير محمد شقير في عام 2019 من أجل سبعة سنتات؟
يبدو أنّ السلطة تبدأ كل محاولة «إصلاح» جديدة من الخيارات التي يستخدمها الأفقر لتدبير إنفاقه، دون أن تمر بجانب الأغنياء حتى. وهنا ربّما على الوزارة، قبل «التخبط» في أروقتها بحثاً عمّن يسرّب قراراتها العشوائية أو ربّما المدروسة «حسب المصلحة»، كما حصل أمس، أن تسأل من سيتحمّل تبعاتها وعن كلفتها على الناس، وعمّا إذا كان هكذا فعلاً يُدار مسار يُفترض أنه إصلاحي.



