منوعات

مأزق العقل..

 

تاه بين كتبه، تاه بين غوغله وبين البرامج الوثائقية، كلما قرأ عن فلسفة أعجبته وكاد في كل مرة أن يقتنع وأن يعلن نفسه من أنصارها.
حائر بأمر عقله، تارة يتشاجر مع جسده وشهواته وتارة يشكك بطهارة روحه وتارة أخرى يتبادل الاتهامات مع نفسه ورغباتها .
يتعب من التفكير ومن التحليل ومن التدقيق بما قاله هذا الاديب في قصصه وهذا الشاعر في قصائده ، يرمي ما بين أيديه من وثائق تاريخية ليعود للكتب الإلهية ليتنهد من جديد ، ما عاد بقادر ان يقتنع بإجابة، كل البراهين أمامه لا تكفي، يقوم من مكانه ليحضّر القهوة، يضع الفنجان امامه ويشعل سيجاراً فاخراً اهداه إيّاه احد معارفه المكتئبين منذ ولادته،يجلس على اريكة مريحة ، ينفث السيجار، يخرج الدخان من فمه بهدوء وعلى ايقاع موسيقى شهيقه و زفيره، يرفع راسه الى الأعلى، نحو السقف، تخطر على باله الحشيشة رغم انه لم يجربها، تخطر على باله الكوكايين رغم انه يلعنه،ا يرى عند زاوية السقف والجدار فوق الباب ابو بريص يلاحق حشرة، يتمعن بالمشهد، يغرق في التفكير كمفكّر عبثيّ لعله يجدها، لم يجدها كفيلسوف عدميّ، سيجدها بعد حين كمبشّر بيسوع من دون العهد الجديد ، من دون الانجيل أو كداعية للقرآن من دون ما نقل من احاديث عن محمد (ص). .

يشرب قهوته كإسلامي كاد ان يدرك الحقيقة، يسمع رنّة هاتفه الخلوي ، ينظر اليه بحقد كاتب وجودي اغضبته  التكنولوجيا، يخرج من جيبه مالا ليعدّده كماركسي يعلم سرّ الاستغلال الاقتصادي ويدرك قانون الفائدة.

سمع طرقاً على بابه، تذكر ان لا كهرباء في منزله، فتح الباب ليجد صديقاً له جاء يتفقده لغيابه لأيام عن المقهى وعن عمله ولعدم ردّه على الهاتف، قال صاحبه:
-اما زلت حيّا ايها الغائب والمختفي؟
ما اصابك؟

ترك صديقه عند الباب ومشى كفيلسوف اخلاقي وعاد الى الكرسي ليجلس كرواقي حكيم وليتناول سيجاره وليقول له:
— عرفت سبب شقاء الانسان، إنّه العقل، وحده العقل سبب البلاء، بحجة المعرفة أرهقنا ، بحجة التمدن والتطوّر تسبب بأمراضنا، بحجة الارتقاء ونشر الحضارة تسبب بالحروب، بحجة الحقيقة ومعرفة سرّ الموت والوجود اغرقنا بالفلسفة، بحجة مقارعة الموت والخلود أخترع الدين، انه العقل يا صديقي، سبب بلائنا بحجة رفاهيتنا.
'وماذا تنفعك الوحدة والعزلة والتفكير والعقل؟
–ليست بوحدة وليست بعزلة، انها محاولة منّي ان اعيد العقل الى جمجمتي،  أدربه ان لا يخرج من حدود دماغي،احاول بواسطته ان اسيطر عليه، احاول عبره ان اقنعه بعدم التطور اكثر،ادربه ان يقتنع برغبات بسيطة وبطموح قليل.
قاتل الله التطوّر.
نعم للغجر، للبدو، للهيبي.
-هل نجحت؟
–لن انجح فانتاجه للمعرفة يجعلها ترميني بأسئلة وبمهام لا أقوى على الاجابة عليها ولا على تنفيذها ما يجعلني اكتئب اكثر وافشل اكثر وأكثر.
-ما الحلّ؟
–بقي امامي مخرجان:  إما أُسكت العقل بالانتحار، واما اتركه بمعرفته تلك ليوصلنا الى اقسى الجنون.
-وماذا اخترت؟
–اخاف الانتحار واكرهه.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى