سياسةمحليات لبنانية

ليس بالخبز وحده يحيا الانسان..

 

ليس مهماً أن نختلف حول الأفكار والمبادئ والسياسة والمصالح، ولكن المهم حقاً هو أن نعرف كيف نختلف،مع التسليم بأن الاختلاف شيء، والخلاف شيء آخر.
الاختلاف بين الناس على حقائق الأشياء، ما هو في الواقع إلا خلاف على رؤيتنا لظواهر هذه الحقائق من زوايا ومستويات وخلفيات مختلفة.وهي التي تعكس، بالتالي، آراءنا فيها.. وهذه الرؤية وهذه الآراء، هي بالطبيعة نتاج الواقع الاقتصادي والموقع الاجتماعي والموقف الفكري، التي تختلف من شخص لآخر، أو من فريق لآخر، وهو بدوره ما يرتب أولوياته، طبقاً لمصالحه ولمبادئه، أيهما أولاً..
عند بعض الناس تأتي المصالح المادية أولاً، وفي سبيل تحقيقها تتوارى جل المبادئ.. بينما تأتي المبادئ أولاً عند البعض الآخر، وفي سبيل النضال من أجلها يكون على استعداد للتضحية بجل المصالح.
الحكماء وحدهم هم من يدركون أن لا تناقض بين المبادئ المشروعة والمصالح المشروعة، وإنما ينشأ التناقض من غياب المشروعية عن المبادئ أو عن المصالح، أو من اللجوء إلى وسائل غير مشروعة لتحقيق غايات مشروعة، أو إلى وسائل مشروعة لتحقيق مصالح غير مشروعة!.
لكن تبقى المبادئ قبل المصالح، وتبقى العدالة في الحقوق والحريات، هي المقدمة الأولى لكل حقوق الإنسان في الحياة والأمن والغذاء والصحة والتعليم والعمل.. وهي ما يؤدي إلى تحقيق الكرامة الإنسانية، التي لا تتحقق أبداً بغير العدل والخبز والحرية.
وعندما يختلف الناس، خصوصاً النخب المثقفة أو السياسية، على أشياء كثيرة.. على حقائق الأشياء، وعلى مسميات الأشياء، وعلى ضرورات الأشياء، وأخيراً على أولويات الأشياء، فلا بأس من ذلك، بل إن هذا الاختلاف هو شرط لتحقيق الائتلاف، إذ لا ائتلاف بغير اختلاف.
فالاختلاف الموضوعي أمر طبيعي، بل وضروري لإثراء الحياة الإنسانية، بشرط الحوار الذي يحول الاختلاف إلى ائتلاف، على العكس من الخلاف المتشنج الذي يباعد بين المواقف الفكرية، ولا يؤدي إلا إلى الشجار. من هنا، يبدو من المفروض أن نختلف ونتحاور، ومن المرفوض أن نتخالف ونتشاجر.
وعندما يقول أنصار الحرية الاقتصادية مثلاً، إنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، في دعوتهم للديمقراطية السياسية، فهذا بلا شك قول صحيح.. لكن الصحيح أيضاً هو قول أنصار العدالة الاقتصادية، إنه "بغير الخبز لا يمكن أن يعيش الإنسان"، في دعوتهم للديمقراطية الاجتماعية.
وإذا كان صحيحاً أن الفارق كبير بين أن نحيى بكل معنى للحياة، وبين أن نعيش حين يصبح العيش مجرد بقاء على قيد الحياة.. فكيف يمكن أن نتوقع ممن لا يستطيع تأمين رغيف الخبز، أن يشعر بأي معنى للحياة، أو أن يعبر عن رأيه بحرية.
إن المسألة تبدو في غاية الوضوح، حين نتساءل أيضاً، هل يمكن أن يحيا الإنسان إذا كان غير قادر على العيش؟ وهل يمكن أن يعيش دون خبز، أو أن يحيا دون حرية؟.
هنا يمكن لنا، كل من واقعه المادي وموقعه الفكري، تحديد زاوية رؤيته، وبالتالي طرح وجهة نظره، والتي لا تكون في الغالب إلا انعكاساً لضلع من أضلاع الإطار الأربعة لصورة واقعه وموقعه.. فإما أن تكون صدى لمبادئه ولمصالحه معاً، أو لمصالحه على حساب مبادئه، أو لمبادئه على حساب مصالحه، لكنه لا يمكن لعاقل أن يستند على الضلع الرابع ليتخذ موقفه الفكري أو السياسي، على حساب مبادئه ومصالحه معاً!.

فالجائع، الذي لن يأكل حرية بطبيعة الحال، لن يكون بمقدوره تحت ضغط واقع الشقاء المادي، إلا أن يكون في الموقع الفكري الذي يقول إن "الخبز قبل الحرية"، وإن "حرية تأمين العيش هي قبل حرية تحقيق الحياة"، وبالتالي، يتوق إلى "العدالة في توزيع الثروة"، غير أن هذا هو الوجه الأول من الصورة.

بينما في جانبها الآخر، فإن الذي لم يشعر بالجوع، أو من لا تؤرقه هموم الفقراء، لن يكون غالباً إلا في الموقع الفكري القائل: "الحرية قبل الخبز أحياناً"، و"لا قيمة للعيش دون معنى للحياة"، لأن الأحرار وحدهم هم القادرون على توفير خبزهم، ولأن العبيد ليسوا قادرين لا على تحقيق حياتهم، ولا على مجرد تأمين عيشهم.

والحقيقة أن الأول ينطلق من مصالحه الأساسية التي تتوافق مع غريزة البقاء الإنساني، وهي بالمناسبة، العامل الأساسي في صنع الحضارات، إذا كان تعريفنا للحضارة هو أنها "النتاج الطبيعي لصراع الإنسان مع محيطه المادي".. أو بتعبير آخر، أنها "النتاج المادي لصراع الإنسان مع بيئته سعياً من أجل البقاء".
والثاني إنما ينطلق من مصالحه الإضافية الطامحة إلى المزيد من الثروة بالحرية الاقتصادية، والمتطلعة للمشاركة في السلطة بالحرية السياسية، حماية لهذه الثروة وحريته في تنميتها، وبالتالي، تتقدم لديه أولوية "الحرية" على أولوية "الخبز" عند المحرومين، بغض عن النظر عن أولوية "العدالة" في العلاقة بين الطرفين.
من هنا، تختلف المواقف الفكرية تبعاً لاختلاف المواقع الطبقية بين شرائح المجتمع الواحد، في حين أن مفهوم العدالة لو تقدم كأولوية أولى بمعناه الشامل، الاقتصادي والاجتماعي والسياسي النابع من المرجعيات السماوية، والذي ينفي الفقر بصورة مطلقة، حيث يجب ألا يكون هناك فقير واحد في المجتمع الإسلامي، لتحققت على أرض الواقع مطالب الخبز والعدل والحرية والكرامة.
فحين تطبق القاعدة النبوية القائلة "أموال الأغنياء تسع الفقراء"، والقاعدة النبوية التي تقول "الناس شركاء في ثلاث، الماء والنار والكلأ"، أي المياه مصدر الحياة، والطاقة مصدر الحركة، والأرض مصدر خلق الإنسان وعيش الإنسان.. عندئذ، تتحقق العدالة الاقتصادية، ويكون لكل مواطن نصيب عادل من الثروة الوطنية.
وعندما تطبق بعدها قاعدة "وشاورهم في الأمر"، حينها يكون الناس قد تأمنت لهم حرية رغيف الخبز، وبالتالي ضمنا لهم حرية الرأي وحرية الاختيار عند الانتخاب، دون خوف من الجوع أو خوف من القهر، لأن فعل الأمر "شاور"، موجه للسلطة التي تملك أدوات التحكم ووسائل العدل، وعندئذ، تتحقق العدالة السياسية بالمشاركة العادلة في القرار الوطني.
تحقيق العدل في الخبز والحرية كغاية مشروعة، لا يتم إلا بوسائل مشروعة، عبر الحرية السياسية، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وصولاً إلى الكرامة الإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى