سياسةمحليات لبنانية

لبنــــان بيــن الســــاحة والوطـــــن: القرار الأميركي بإنهاء مرحلة التوازن السلبي

 

نظير جاهل – يوسف كلوت *
  الرئيس الأميركي الذي شكر الحكومة اللبنانية على تبرئة العميل عامر الفاخوري كان قد أعلن هو نفسه بتاريخ 3/1/2020 وبكل وضوح أنَّـــه أمر باغتيال الجنــــــرال قاسم سليماني. إنـــــه الشخص نفسه الذي شكر والذي أعلـــن. وهذا الإغتيال كان الهدف منه ضرب النفوذ الإيراني في العراق ولبنان كما سوف نُبيِّن. ويهدف التذكير بذلك إلى القــــول بأن فاعليَّــــة اســـــترداد العميل الفاخـــــوري إنما تأتي من كونها إســـتكمالاً لفعــــل الإغتيال المذكور.
  ليس هناك من حاجة لتوضيح مكانة الجنرال قاسم سليماني بالنسبة للهندسة الإستراتيجية اللوجستية الناظمة لإداءات حزب المقاومة الإسلامية في الساحة اللبنانية، وإنطلاقاً منها في الإطار الإقليمي. غير أنَّ ما يتطلَّب التوضيح بالمقابل، هو أنَّ اغتياله لم يحصل في إطار التوازن الأميركي الإيراني بهدف تعديل ميزان القوى أو للإنتقال إلى توازن جديد. إنّه إعلان عن قرار أميركي يقضي بإنتهاء وضعية "التوازن السلبي" في كل من العراق ولبنان بعد سقوط الدولة السورية كدولة تكتسب قوتها السياسية من دورها الإقليمي.
ونعنــي بـ "التوازن السلبي" هنا إبقاء العراق ولبنان كيانين متخلِّعين يتأرجحان بين الانهيار والتفكُّك من جهة وبين التوحُّد بدولة شكلية تقوم على توازنات الإفساد والفساد والنهب من جهة ثانية، وهو ما ضرب فيهما إمكانية قيام دولة وطنية رعائية مستقلة. 
أما في لبنان الذي يُشكل موضوع تحليلنا الآن، فقد بدأت هذه الحالة من "التوازن السلبي" مباشرة بعد الإنسحاب السوري في نيسان 2005، واستمرَّت في ظل الإنقسام الحاد بين قوى 8 آذار وقوى 14 آذار. عبّر هذا الإنقسام عن تراجع الدور السوري الإقليمي وتقدم النفوذ الأميركي المباشر بعد سقوط العراق. لقد شهد الكيان اللبناني في ظل الوصاية السورية التي ترسَّخت برضى أميركي بعد الإجتياح الإسرائيلي وإنهاء الدور العسكري- السياسي الفلسطيني في لبنـــان، معادلة تؤمِّن توازنه من الخارج في ظل لاتوازن داخلي نتج عن تهميش مواقع المارونية السياسية وتعيين الدور السني حصـــراً في المجال الاقتصادي والمالي إنطــلاقاً من "شركة سوليدير". وقد أدَّى إنهيار هذه المعادلة بعد صدور القرار 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى وضعية جديدة، تحوَّل الكيان خلالها إلى ساحة يحكُمُها "التوازن السلبي" بين أميركا وإيران بشكل مباشر. وهي وضعية تشهد نهاياتها اليـــوم، وهو ما يؤشِّر إليه تعاقب الحدثيـــن المتمثليـن باغتيال الجنرال سـليماني وتبرئــة العميل عامر الفاخوري بتدخل أميركي سـافر.
الكيان اللبناني ساحة يحكمها "توازن سلبي" دولي -إقليمي
  ولئن كانت المرحلة السابقة التي شهدت نشوء حزب المقاومة الاسلامية وتصدِّيه لمهمة استكمال التحرير وانتصاره على العدو الإسرائيلي عام 2000 م، قد اتَّصفت – كما أشرنا – بتوازن الكيان من الخارج ولاتوازنه في الداخل، فإن المرحلة التي أعقبتها قامت على "التوازن السلبي" الأميركي الإيراني، هذا التوازن هو الذي حكم سياسات الحزب وآداءه ودوره كقوة إقليمية، وهو الذي شكَّل إطاراً مرجعياً أساسياً لتصدِّيه للعدو الإسرائيلي. لقد استطاع الحزب بفعل صموده وانتصاره في مواجهة العدوان الإسرائيلي في تموز 2006، أن يمنع القوة الأميركية بعد سيطرتها على العراق وإجبار سوريا على الإنسحاب من لبنان بفعل القرار 1559، من استكمال تقدُّمِها بفرض تطبيق كامل مندرجات هذا القرار الذي صدر بهمَّة الرئيس ميشال عون يوم كان منفياً من لبنـــان إلى فرنسا. شهدت هذه المرحلة تبدُّلات حاسمة في مواقع القوى، نتجت عن حركتها المعقَّدة التي انطوت على تقدُّمِ وتراجعِ كلٍ منها في آن واحد، لتشكِّل وضعية تاريخية إنتقالية هي قيد الإنتهاء اليوم، وهو ما يؤشِّر إليه تعاقب وتلازم الحدثين المتمثلين باغتيال الجنرال سليماني وتبرئة العميل عامر الفاخوري، اللذان يؤشران في الوقت نفسه إلى بلوغ الوضـع مرحلة جديدة ويكشفان أيضاً معالمها الرئيسية.
وفَّر الصمـود والإنتصار لحزب المقاومة الإسلامية في حرب تموز 2006 إمكانية حقيقية لإعادة تشكُّل الحقل الإقليمي على توازن جديد، كانت لتسفيد منه مكونات المنطقة ودولها لإرساء توازن يؤمِّن لها حداً نسبياً ملحوظاً من الاستقلالية والتماسك والحضور والتعاون والفاعلية. فرغم سقوط العراق بيد المحتل الأميركي استطاعت إيران أن تُعزِّز حضورها في حقله، ورغم الإنسحاب والإنكفاء السوري من لبنان، فتــــــح الصمود والإنتصار في تموز من حيث الحؤؤل دون استكمال تطبيق بنود القرار 1559، وفي ظل غياب القدرة على إنزال هزيمة حاسمة بالعدو الإسرائيلي، إمكانية حقيقية لإعادة صياغة وتطوير العلاقات اللبنانية السورية على "قاعدة اللاممر واللامستقر" التكافوئية التي أسَّست العلاقات بين لبنان وسوريا بعد استقلالهما. غير أن ما حصل بعد هذا الصمود والانتصار بمواجهة العدوان الإسرائيلي في تموز هو أنَّ خيارات القوى عامة وخيار السلطة في إيران خاصة ذهبت باتّجاه معاكس. إذ بدَلَ أن تُثمِّر هذه السلطة تضحيات وبطولات المقاومة الإسلامية في لبنان لتدفع باتجاه إعادة تركيب الكيان اللبناني بالتكامل مع سوريا، فإنها دفعت حزب هذه المقاومة للإضطلاع بالدور السوري الذي كان سائداً في لبنان والذي تعطَّل بانسحاب الجيش السوري في نيسان 2005، علماً أن الدور السوري المذكور كان قد انبنى، برعاية أميركية، كضابط إيقاع يقوم على تقاسم النفوذ في لبنان بصيغة تُوكل السياسة والأمن لسوريا والإقتصاد للمملكة العربية السعودية. هذا الدور الجديد لحزب المقاومة الإسلامية هو ما حكم تفاهم مار مخايل بينه والتيار الوطني الحر في 6 شباط 2006.
لقد حَرِصَ الجنرال ميشال عون إبان حرب تموز 2006 أي بعد تفاهم مار مخايل بأشهر، على الإستفادة من دروس سقوط معاهدة 17 أيار مع العدو الإسرائيلي بعد إنتفاضة 6 شباط 1984 واندحار المارونية السياسية، واتَّخذ موقفاً مناهضاً  للعدوان الصهيوني في تلك اللحرب وداعماً للمقاومة، وذلك بعد أن راكم قوة من خلال مساهمته الأساسية في إنهاء منطق الوصاية السورية عبر القرار 1559. وقد تمكَّن بفعل كل هذه الحركة المُركَّبة من استعادة حضور المارونية السياسية وجهوزيتها كطرف قادر فعلياً على التفاوض.
إن عناصر هذه اللحظة الكثيفة بما فتحته من خيارات، كانت تحمل إمكانية تجاوز الإنقسام العميق الذي نتج عن إغتيال الرئيس رفيق الحريري بما هو فعل سياسي شديد الوطأة أتى في سياق تعميم الوجهة التفكيكية التي أطلقها سقوط العراق بيد الإحتلال الأميركي المباشر عام 2003. غير أنَّ طبيعة تفاهم مار مخايل في 6 شباط 2006 بين المارونية السياسية التي استعادت كينونتها وبين القوة الشيعية الصاعدة أخذ دلالة مختلفة تماماً عن الصيغة التي وازَنَت الكيان عام 1943، كما أنَّه لم ينطلق من منطق إتفاق الطائف لإنجاز تســـــوية وطنية. تســــــوية وطنية تقوم على تطوير هذا التفاهم باتجاه جعله نواة لإعادة تركيب الكيان. تســـوية وطنية كان يمكن أن تعتمد بعد الصمود والانتصار في تموز 2006 على دفع الأطراف السياسية اللبنانية لتثمير الوضعية التي نشأت آنذاك عن تشابك متغيرات متعارضــــة، تمثّلت حينها بخسارة ســـــوريا المنسحبة من لبنـــــان والفشــــل الإسرائيلي الأميركي في حرب تمــــوز والاختلال العميـــق الذي أحدثه اغتيال الرئيس رفيق الحريري في المعادلــــة السنِّية المحلية – الإقليمية. تســـــوية وطنية تقــــوم على أساس إعادة توزيع القوة ونشرها داخلياً بالإرتكاز إلى نموذج القاعدة الكيانيـــة الشـــهيرة "لا غالب ولا مغلوب"، وذلك باتجاه تـــوازن إيجابي بنائي يؤمِّـــن شــــــروط بناء الدولــــة الوطنية الراعية.
استرجع الطرف الماروني كينونته دون غلبته الماضية، أما القوة الشيعية الصاعدة فلم تتمكَّن من تثمير ما أنتجته من قوة استراتيجية من خلال إنجاز التحرير بدايةً ولاحقاً صد العدوان الإسرئيلي عام 2006، بل أن قوَّتها صبَّت في تحويل لبنان إلى ساحة متَّصلة بالدور الإقليمي الذي تضطلع به إيران بمحاذاة الوجهة الأميركية التفكيكية، وهو ما عبَّرنا مراراً بمفهوم "التوازن السلبي" الإقليمي الدولي. وقد جاء تفاهم مار مخايل في إطار هذا "التوازن السلبي" ليُعلن لبنان كساحه إقليمية – دولية على نسق الساحة العراقية، وهو ما سهَّل تحوُّل سوريا إلى ساحة متفجِّرة بين ساحتين أي العراق ولبنان. وهو تفجُّرٌ ساهم ببروز الإتجاهات السنيَّة المدمِّرة (داعش مثالاً) كرد فعلٍ على تهميشٍ حُرِّك على أرضية الإحباط التاريخي وعلى أســوأ ما تراكـم في اللاوعي التراثي عند الاسلام السياسي الســلفي الراهن المنجذب إلى فعاليـة تقنيــة حديثة تحوَّلت مع استخدامه لها إلى قوة مرتدة أقرب إلى التدمير الذاتي.
نهاية صيغة الساحة بسقوط معادلة "التوازن السلبي"
  إن الحدثين المتمثلين بالاغتيال الأميركي المعلن للجنرال قاسم سليماني وبتبرئة العميل عامر الفاخوري بتدخل أميركي سافر ومساهمة محليَّة لبنانية شكَّل التيار العوني أبرز أطرافها، هما رغــم طابعهما التفصيلي مؤشران مفسِّران يكشفان أن المرحلة التي حاولنا التقاط معالمها قد بلغت نهاياتها الآن كنتيجــة لاختلال منطق الوجهــة الإيرانية القائمة بشكل مركزي على "التوازن السلبي" مع الأميركان.
وهذه النهايات نتجت عن استحالة منازعة الوجهة الأميركية بغية موازنتها على النفوذ من داخل منطقها التفكيكي، وهو منطق دفع باتِّجاه زعزعة الحدود بين دول المنطقة، وضرَبَ قدرتها على استعادة وحدتها، ودفعَهَا إلى صيغ حكومية هشَّة تُبقِيها على حافة الإنهيار. وبالفعل تمكَّنت الإدارة الأميركية من التحكُّم بوجهة "التوازن السلبي" من خلال التحكُّم الاستراتيجي بالمنطقة بما لديها من قدرة على الدمج بين مصادر القوة والتنقُّل بين تياراتها ومجاريها العسكرية والاقتصادية والرمزية، وهو ما سمح لها بدوره بالتحكُّم بدرجة حضورها العسكري والمبادرة إلى تخفيفه أحيانا لتعزيز تحكُّمها من بعيد بالحقل الإقليمي العام. وقد ولَّد عدم فهم هذه المسألة عند الكثيرين إنطباعاً بأن النفوذ الأميركي يتراجع أمام النفوذ الإيراني والنفوذ الروسي. وقد بُنِيَت على هذا الإنطباع الوهمي بعد إعادة إنتاجه إعلامياً مقولة "محور الممانعة". فيما انكشف تدريجاً أن النفوذ الروسي المباشر على سوريا لا يخترق إطار التحكُّم الأميركي العام، ولا يسمح لأي طرف بتجاوز حدود هذا التحكُّم الأميركي بما في ذلك حدود كيان العدو الإسرائيلي، ولا يُعارض أيضاً السياسة الأميركية المندفعة إلى ترسيخ هذا الكيان الإسرائيلي العدواني وتوسيعه وتثبيته من خلال ما سمِّي بـ "صفقة القرن" التي تعمل لتعميق إنهيار المنطقة التاريخي.
أدَّى "التوازن السلبي" في لبنـــان من حيث منطقه الذي يستبعد انعقاد أي تسوية كيانية داخلية تسمح بالاتفاق على صيغة وطنية تقوم على الاستقلال النسبي عن الأطراف الخارجية، إلى إضعاف الدولة وضمور الشأن العام وتفلُّت وتيرة الإرتهان بالدين العام، وهو ما يكشف تلازم منطق الساحة مع منطق الإرتهان الإقتصادي الذي جعل الدولة آداة تستخدمها السلطة بتشابكها المعَّقد مع الخارج لنهب المجتمع وتفكيكه. آداةُ نهبٍ وتفكيك للمجتمــــع شـــكَّلت نقطة إلتقاء بيــــن قــــوى داخلية في حقل "التوازن السلبي"، وشكَّلت مدخلاً لاستهلاك الســـــاحة من قبل الطرفيـــن الخارجييــــن لهذا "التوازن السلبي" أي أميركا وإيران. غيــــر أنه استهلاكٌ غير متكافىء، وذلك لأن "التوازن السلبي" ليس إلا صيرورة اختلال بنيـــــوي عميق يُحاصِر في ســــــياقها الطرف الأقوى الطرف الأضعف، يُحاصِـــــره بمعادلة الساحة بمـــــا هي في الأساس آلية ارتهان، ويدفعه إلى استهلاك قوَّته للمحافظة عليها وهي تنهار وتُســــرِّع بانهياره.
لقد عطب الحُكُم ببراءة العميل عامر الفاخوري آلية "التوازن السلبي" التي شكّل التحالف بين حزب المقاومة الإسلامية والتيار الوطني الحر نواته الأساسية. وبالفعل لا تندرج هذه البراءة للعميل في إطار تسوية مسألة المتعاملين مع العدو الإسرائيلي التي تضمَّنها التفاهم بينهما في مار مخايل، كونها تأتي في سياق تدخُّل أميركي مباشر كاستكمال لعملية اغتيال الجنرال سليماني، التي أعلن من خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية "التوازن السلبي" الأميركي العام مع إيران في العراق وسوريا ولبنان بصيغة نهائية تجعل أي توتير عسكري إيراني محدود الأثر وغير قادر على استرجاع هذا التوازن الذي أصبح بفعل ذلك في حالة انهيار سريعة الانتشار والتأثير في العراق ولبنان.
أخرج الفعل الأميركي المُعلن المتمثِّل بفرض براءة العميل عامر الفاخوري ملف التعامل مع العدو الإسرائيلي من إطار تفاهم مار مخايل. وحوَّل نصاب الرئاسة الأولى الذي استُعِيد في سياق هذا التفاهم مضبوطاً بإطار "التوازن السلبي"، إلى نصابٍ قائمٍ على غلبة سلبية غير متحقِّقة ومتصلة مباشرة بالنفوذ الأميركي، غلبة لا تتحقَّق في سياق استعادة توازن الكيان الوطني بل في سياق الضغوط الإقتصادية والسياسية وتكثيفها بغية وضع حزب المقاومة الإسلامية خارج أي توازن كياني.
الإنتفاضة الشعبية في لبنان: إعـــادة قــــراءة
  في هذا الإطار تبدو الإنتفاضة الشعبية التي اندلعت في لبنان في 17 تشرين الأول 2019 وكأنَّها تحمل معنى مجازياً غير قادرة على التعبير عنه عملياً. فشعار "كلن يعني كلن" الذي تعنوَّنت به، لا يطال فقط فساد الطبقة الحاكمة وانهيار الوضع الإقتصادي، ولا يمكن تحقيقه حتى بإصلاح النظام السياسي في حال بقي تغييب وضعية الكيان وما وصل إليه من تفكُّك من جراء استهلاكه كساحة. فصيغة الساحة القائمة على "التوازن السلبي" رغم أنها أتاحت، كما أشرنا سابقاً، تفلُّت الوجهة الإقتصادية الإرتهانية المرتكزة إلى الدين العام التي استفادت منها القوى السلطوية، وهو ما يُفسِّر تواطئها رغم انجذابها إلى محاور متنازِعة أو بالأحرى بفعل هذا الإنجذاب، فإنها (أي صيغة الساحة) حملت أسباب انهيارها بذاتها وسمحت للسياسة الأميركية بالتحكُّم بها ومن خلالها بمصير الكيان ومصير المقاومة.
ولأن منطق الساحة عَمِل على هذا النحو المتناقض، أي أنه سمح في بدايته للقوى السلطوية بالاستفادة منه، وعندما قرر الأميركان إنهاءه استطاعوا أن يســتمدوا منــه قدرة على التحكُّم بهذه القـــــوى ومصائرها بشـــــكل غير مســــبوق، فإن هذه القــوى الســلطوية المتمسِّكة بمعادلـة "التوازن السلبي" والساحة ظنَّت – لعطب في شــبكات الرؤيــــة لديها – وهي ترى التحكُّـم الأميركي المذكور يترافق مع الإنتفاضــة الشــعبية في 17 تشـرين أول 2019، أن هذه الإنتفاضة إنما تأتي في سياق هذا التحكُّم لتزيده سطوة وقوة، ولذلك حمَّلتها مسؤولية انهيار الساحة متَّهمة ناســـــها بأنهم الآداة الأميركية لهــــذا الإنهيار. فيما الحقيقة تكمـن في أن الإنهيار تـــــم بفعــل ارتهان هـــــــذه القــــوى السلطوية وفســادها وإفسادها ومعادلات النظام الســياسي ومنطق الســاحة، وهـــــو ما دفــــــع بالناس للخـــــروج إلى ســــــاحات الوطــــــن في المـــــــدن والقرى للدفاع عن وجودهــــم في مواجهــــة كل ما يهدِّده داخلياً وخارجياً.
العـــراق: الإنتفاضة الوطنية والمرجعية الدينية في النجف واستعادة الوطن
  لا يؤدّي بلوغ التوازن السلبي الأميركي الإيراني نهاياته في لبنان إلى إنهيار كياني لا سابق له بفعل حتمية تاريخية أو بفعل اسـتحالة موضوعية تمنع إنجاز تسوية تُرسي توازناً إيجابياً بيــن مكونات الكيان الأهلية الطائفية. وبالفعل يكشف نموذج الإنتفاضة الوطنية في العراق الدور الأساسي للمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف السيد علي السيستاني في محاولة الإنتقال من "التوازن السلبي" إلى التوازن الوطني الإيجابي، ويلقي الضوء على عجز الطرف الشيعي في لبنان عن توظيف ما ولَّدته المقاومة من قوة لإنتاج تسوية وطنية تَخرُج على "التوازن السلبي" المنهار.
  تكشــف اللحظـة الراهنــة التي يشــهدها العراق، بعد اغتيال الجنرال سليماني، من خلال التعثُّر المُستحكم في تشكيل الحكومة في ظل انقسام القوى الشيعية الحاد، وتعاظم الانتفاضة الشعبية، وموقف المرجعية الدينية العليا العام ومبادرتها السياسية العملية لمعالجة وضعية الحشد الشعبي، أن التوازن السلبي الإقليمي – الدولي قد بلــغ نهاياته في العراق كما هو الحال في لبنــــان. غير أن المرجعيــة الدينيــة العليــا باســتقلاليتها عن طرفي "التوازن السلبي" الأميركي والإيراني وباحتضانها للإنتفاضة الشعبية، هي التي تدفع أساساً باتجاه خروج العراق من حالة الساحة إلى حالة وطنية متوازنة، وتحاول الآن الحؤول دون أن يصب تصدُّع الحشد الشعبي الذي استُخدِم بالدلس للتعبير عن التوازن الإيراني مع الطرف الأميركي في العراق، في مزيد من التحكُّم الأميركي كما يحصــل الآن في لبنـــان وفقاً لمـــا بيَّناه ســـابقاً من خلال إظهار الدلالات الفعلية لتبرئة العميــل عامر الفاخوري كحدث تفصيلـي مفسِّــر. وتتمثل المحاولــة المذكورة للمرجعيــة بتوجيــه المجموعات التي تتبع لها في الحشد الشعبي للانضمام إلى الجيش العراقي، علماً أن هذا الحشــد كان قد تأسس بفتواها التي جعلته مُكملاً لهذا الجيش الوطني بأفق الإنخراط فيه بعد القضاء على إرهاب داعش.
كمـــا وتدل هذه اللحظة الراهنــة التي يشهدها العراق على الأهمية القصوى لوجود الخط التوحيدي الوطني الذي تقوده المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف وعلى فداحة الآثار الناتجة عن تغييبه في لبنـان.

*نظيـر جاهـــــل: أستاذ متقاعد في معهد العلوم الاجتماعية – الجامعة اللبنانية.
*يوســف كلوت: دكتوراه في علم الاجتماع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى