
بقلم د.عماد عكوش – الحوارنيوز
في مشهد جيوسياسي بالغ الاضطراب ، تحولت المواجهة الدائرة بين إيران وحلفائها من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، من صراع عسكري محدود إلى حرب اقتصادية شاملة طالت دول مجلس التعاون الخليجي بمستويات لم تشهدها المنطقة منذ عقود طويلة .
وما بدأ على شكل ضربات انتقامية إيرانية ردا على انطلاق الاعمال الحربية ضدها من هذه الدول ، تطور بسرعة ليصبح استراتيجية ممنهجة تستهدف تحويل منطقة الخليج إلى ساحة ضغط اقتصادي موجهة ضد واشنطن ، مما خلف عواقب وخيمة تجاوزت الخسائر المادية المباشرة لتصيب النسيج الاقتصادي والاجتماعي بأكمله .
كانت الضربات الإيرانية الموجهة ضد دول الخليج طبيعية وهي مجرد ردود فعل على استخدام اراضيها للعدوان على ايران بكل قطاعاتها الاقتصادية ، بل اتخذت طابع حملة اقتصادية مدروسة بعناية .
فمنذ اندلاع عملية الغضب الملحمي في 28 شباط 2026 ، وجهت إيران نحو 85% من صواريخها وطائراتها المسيّرة باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي ، بإجمالي تخطى 5000 قذيفة خلال شهرها الأول على اعتبار ان معظم الهجمات انطلقت من أراضيها . وركزت هذه الضربات بصورة أساسية وممنهجة على البنية التحتية الحيوية الممثلة للعمود الفقري للاقتصاديْن الخليجي والعالمي.
لقد طالت الاستهدافات الإيرانية منشآت النفط والغاز، الموانئ والمطارات ، محطات تحلية المياه ، والمراكز المالية ، في مسعى واضح لفرض تحرك انظمة هذه الدول لوقف التعدي عhلى الاراضي الايرانية ، وقد بررت طهران هذه الهجمات باعتبار أن أي بنية تحتية اقتصادية تساند العمليات العسكرية ضدهاوضد بنيتها التحتية تمثل هدفاً مشروعاً ، الأمر الذي وسع رقعة الصراع إلى أبعاد تتجاوز الميدان العسكري البحت.
تكبدت دول الخليج أثماناً مادية فادحة نتيجة لهذه الهجمات ، والتي توزعت بصورة غير متساوية ، حيث تصدرت الإمارات قائمة الدول الأكثر تضرراً باستقبالها أكثر من 2000 مقذوفة ، تلتها الكويت ، والمملكة العربية السعودية ، والبحرين ، وقطر ، وعُمان . وتشير التقديرات الراهنة إلى أن الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية وصلت إلى نحو 58 مليار دولار أمريكي ، وسط توقعات بأن تستغرق أعمال الإصلاح شهوراً ، بل وسنوات في بعض الحالات المعقدة.
ففي قطر تعرضت منشآت حمد بن خليفة للغاز الطبيعي المسال الواقعة في راس لفان لسلسلة موجات قصف أدت إلى هبوط قدرتها التصديرية بنسبة 17% ، مع تقديرات ترجح احتياج المرفق لفترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات لاستعادة طاقته الكاملة . ونظراً لأن قطر تؤمن نحو 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية ، فقد خلفت هذه الخسائر تداعيات فورية وهزات في أسواق الطاقة الدولية. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية فقد طالت الضربات مصافي حيوية رئيسية مثل رأس تنورة وينبع ، مما شكل تهديداً مباشراً لإمدادات الطاقة العابرة عبر البحر الأحمر والتي تمثل شريان بديل استراتيجي لمضيق هرمز.
الإمارات العربية المتحدة استقبلت النصيب الأكبر من المسيرات والصواريخ مقارنة بباقي الدول الخليجية مجتمعة ، مسجلة 48 إصابة مؤكدة في مواقع استراتيجية شملت برج العرب ، والمركز المالي الدولي بدبي ، وميناء جبل علي ، ومجمع الفجيرة للبتروكيماويات ، ومصفاة الرويس ، إضافة إلى المطارات الدولية ومراكز بيانات تابعة لشركة أمازون .
يمثل مضيق هرمز شرياناً رئيسياً لا غنى عنه للاقتصاد العالمي ، إذ يعبر من خلاله نحو 20% من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية ، و16% من إمدادات الأسمدة . ومع إغلاق المضيق فعلياً على وقع الهجمات الإيرانية التي استهدفت الناقلات ، جنحت نحو 500 سفينة والتزمت المياه المفتوحة خشية العبور، بينما عمدت شركات التأمين إلى إلغاء تغطيات أخطار الحرب للعبور عبر الممر المائي . وقد نتج عن ذلك صعود أسعار النفط بنسبة 13% بحلول الثالث من اذار ، تزامناً مع قفزة العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأوروبي بنحو يتجاوز 40% .
ورغم الاعتماد على البنية التحتية البديلة مثل خط أنابيب السعودية (الشرقي-الغربي) الناقل لـ 7 ملايين برميل يومياً إلى ينبع على البحر الأحمر ، وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي المصدر لـ 1.8 مليون برميل يومياً نحو خليج عُمان إلا أن هذه البدائل تظل عاجزة عن تعويض سوى نزر يسير من حجم الطاقة التصديرية المفقودة.
فاقم هذا هذا الوضع اغلاق باب المندب امام السفن السعودية حيث انه لم يؤد إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية للسعودية فحسب ، بل هدد بتحويل أزمة إقليمية إلى أزمة طاقة واقتصاد عالمية . جاء هذا الإجراء في وقت بالغ الحساسية ، حيث كانت المملكة تعتمد على هذا الممر كشريان رئيسي لصادراتها النفطية بعد إغلاق مضيق هرمز ، مما جعل التداعيات أكثر حدة وادى الى انهيار صادرات النفط وارتفاع تكاليف الشحن وشهدت شحنات النفط السعودية عبر باب المندب انخفاضاً كبيراً ، حيث تراجعت بنسبة 36% خلال الأسبوعين السابقين للإعلان عن الحصار . كما انخفضت الكميات التي تصل إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر من ذروة بلغت 9.5 مليون برميل يومياً إلى 6.1 مليون برميل يومياً . الصين وهي أكبر مستورد للنفط في العالم ، خفضت معدلات تشغيل مصافيها بنسبة 18% في حزيران مقارنة بالعام السابق .
ومع إغلاق هذا الممر ، تجد الدول الآسيوية صعوبة في تأمين إمداداتها ، مما ينعكس سلباً على أسعار الوقود والسلع .
يكمن الخطر الأكبر في تزامن هذا الإغلاق مع إغلاق مضيق هرمز ، مما يخلق أزمة مركبة وغير مسبوقة . فالمملكة فقدت مرونتها في تصدير النفط ، وأصبحت تعتمد على بديل واحد قد يغلق أيضاً، مما يهدد بتقليص المعروض العالمي من النفط بنسبة تتراوح بين 15 و 17% .
كما أن تداعيات الحصار تتجاوز تصدير النفط إلى استيراد السلع الأساسية . مع إغلاق هرمز، أصبح البحر الأحمر طريقاً حيوياً لاستيراد المواد الغذائية مثل القمح والأرز والأعلاف . ورغم وجود مخزون استراتيجي من القمح يكفي لأشهر ، إلا أن مخزون الأرز والعلف أقل بكثير ، مما قد يخلق ضغوطاً محلية على الأسعار ويشكل تحدياً إضافياً للاقتصاد السعودي .
من ناحية اخرى أدى هذا الواقع الى انهيار قطاعي الطيران والسياحة حيث شكل قطاعا الطيران والسياحة دعامتين أساسيتين ضمن استراتيجيات التنويع الاقتصادي الخليجية ، غير أن الحرب وجّهت إليهما ضربة موجعة بالغة القسوة . فقد أوقف مطار دبي الدولي ، المصنف كأكثر مطارات العالم ازدحاماً بالمسافرين الدوليين ، عملياته إلى أجل غير مسمى إثر الضربات التي طالت منطقة ميناء جبل علي ، تزامناً مع تعرض مطار أبوظبي لحادث مميت ، وإصابة مطار الكويت الدولي بأضرار نتيجة طائرة بدون طيار . وأسفرت هذه الإغلاقات المتزامنة للأجواء الخليجية عن تعليق تام لرحلات الخطوط الجوية القطرية والإماراتية ، وشلل حركة السياحة طوال موسم رمضان ، مسجلة خسائر متوقعة ناهزت 40 مليار دولار.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى تراجع أعداد الزوار الدوليين الوافدين إلى الشرق الأوسط بنسب تتراوح بين 11% و27% خلال العام الجاري ، ما يعني ضياع ما بين 23 و38 مليون زائر دولي ، وفقدان عائدات إنفاق سياحي تراوحت بين 34 و56 مليار دولار. كما توقعت تحليلات وكالة “موديس” هبوط نسب إشغال الفنادق في دبي لتصل إلى 10% فقط خلال الربع الثاني من عام 2026 ، بعد أن كانت تستقر عند 80% عشية اندلاع الحرب.
كما تُعد أزمة المياه والغذاء واحدة من أكثر فصول هذه الحرب مأساوية ، فدول الخليج تعتمد بصورة شبه مطلقة على تقنيات تحلية مياه البحر لتلبية نحو 99% من احتياجات مياه الشرب في الكويت وقطر. وعندما طالت الاستهدافات الإيرانية محطات التحلية في الكويت والإمارات ، لم تكن طهران تستهدف أصولاً عسكرية ، بل كانت توجه ضربة مباشرة لكيان وبقاء المدنيين بأسره.
بالتوازي مع ذلك ، تسبب الحصار البحري في نشوء أزمة إمدادات غذائية طاحنة ، حيث تستورد دول الخليج عبر المضيق أكثر من 80% من احتياجاتها الغذائية . ومع بلوغ منتصف اذار ، تعطلت نحو 70% من واردات المنطقة الغذائية ، مما فرض على قطاع التجزئة اللجوء إلى الشحن الجوي للمواد الأساسية ، وأسفر عن موجة تضخم هائلة دفعت أسعار المواد الاستهلاكية للصعود بنسب تتراوح بين 40% و120%. ولم تتوقف التداعيات عند الحدود الخليجية ، بل امتدت ليشمل تأثيرها مصر والأردن ، حيث اضطرت الحكومة المصرية لإعادة فرض ضوابط سعرية على الخبز ، بينما أصبح ترشيد استهلاك الوقود واقعاً مفروضاً في الأردن.
اضافة الى ما تقدم فقد زعزعت الحرب ثقة المستثمرين في الأسواق المالية الخليجية ، إذ جرى تعليق التداول في بورصة الإمارات لمدة يومين متتاليين تزامناً مع تراجع حاد في أسهم القطاعين المصرفي والعقاري . كما تضررت البنى التحتية الرقمية بصورة مباشرة إثر انقطاع خدمات مراكز بيانات شركة أمازون في كل من الإمارات والبحرين . وتُقدّر التقارير بأن هذه الحرب ستفضي إلى انكماش النمو الاقتصادي لدول الخليج بنسبة 0.2% خلال العام الحالي ، خلافاً للتوقعات السابقة التي كانت تبشر بنمو قدره 3.6% قبل هبوب عاصفة الصراع.
لم تنحصر الخسائر والهزات الاقتصادية ضمن النطاق الخليجي فحسب ، بل امتدت لتطال دول الجوار المرتبطة بالاستقرار الإقليمي . فمصر، التي ترزح أصلاً تحت وطأة أزمة هيكلية ، تواجه أعباء ضاغطة إضافية جراء تراجع إيرادات قناة السويس وقفزة تكاليف استيراد القمح ومصادر الطاقة . وعلى خطى مستوردة لـ 90% من حاجتها النفطية ، بات الأردن يعاني من واقع ترشيد استهلاك الوقود . وبناءً على ذلك ، أقدم صندوق النقد الدولي على خفض توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتستقر عند 1.4% لعام 2026 ، مسجلة تراجعاً بواقع 2.3 نقطة مئوية مقارنة بتنبؤات أكتوبر 2025.
في ظل تواصل الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل العمق الإيراني ، والتي استهدفت البنية التحتية ، شبكات الطرق والجسور ، المطارات ، ومحطات توليد الطاقة ، أطلقت طهران تحذيرات وتلويحات بتوسيع نطاق ردودها لتشمل أهدافاً مدنية حيوية داخل دول الخليج . وقد أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني ، كاظم غريب آبادي ، عن تعليق التزامات بلاده بمذكرة التفاهم المبرمة مع واشنطن ، مما يمهد الطريق أمام موجة تصعيدية جديدة.
من جهتهم ، يحذر محللون وخبراء من أن اقدام الحوثيين المدعومين من طهران على إغلاق مضيق باب المندب قد يوسع رقعة الصراع الإقليمي ، مخلفاً تداعيات كارثية مدمرة على حركة التجارة العالمية العابرة عبر قناة السويس. وفي المقابل ، تتصاعد الأصوات والدعوات داخل العواصم الخليجية نحو صياغة رد عسكري موحد حيال الاعتداءات الإيرانية ، مترافقاً مع تحذيرات قاطعة بأن دول الخليج في حالة حرب تستوجب اتخاذ موقف رادع وحاسم.
في الخلاصة تقف دول مجلس التعاون الخليجي اليوم عند مفترق طرق مصيري وتاريخي . فالحرب التي لم تكن طرفاً مباشراً في إشعالها ، وضعتها في عين القصاص بسبب انطلاق الاعمال الحربية عبر اراضيها . ومع تجاوز الخسائر المادية المباشرة عتبة الـ 58 مليار دولار، وتخريب البنية التحتية الأساسية التي تستغرق إعادة تشييدها سنوات عديدة ، فضلاً عن تصدع الثقة في المنطقة كملاذ آمن للاستثمار والسياحة ، فإن الأعباء الاقتصادية لهذا النزاع ستلقي بظلالها على الأجيال القادمة.
وإن مضت إيران قدماً في تنفيذ تهديداتها القاضية بتوسيع نطاق هجماتها لتطال محطات تحلية المياه والمنشآت الاستراتيجية الحساسة في حال استهداف المزيد من بنيتها التحتية ، فستكون التبعات كارثية ولا تقف عند حدود دول الخليج البالغ عدد سكانها 62 مليون نسمة ، بل ستمتد لتزلزل الاقتصاد العالمي بأسره ، متخلفةً آثاراً إنسانية واقتصادية يتعذر حصرها . ووسط هذا المشهد المعقد ، يظل السؤال الأكثر صعوبة يفرض نفسه وهو كيف يمكن وضع أوزار هذه الحرب وتفكيكها قبل أن تتحول أضرارها الهيكلية إلى ندوب عميقة لا تلتئم؟



