
بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

إن قراءة اتفاق واشنطن الإطاري بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن تقف عند حدود النصوص الدبلوماسية المتبادلة. نحن أمام منعطف تاريخي يتقاطع فيه البعدان السياسي والاقتصادي، ليطرح سؤالاً جوهرياً وهو: هل يمثل هذا الاتفاق طوق نجاة لاقتصاد لبناني يلفظ أنفاسه الأخيرة ، أم أنه مجرد مسكن للألم يُمهد لتكريس أزمات أعمق ضمن جغرافيا منقوصة؟
لهذا الاتفاق تداعيات على المشهدين الاقتصادي والجيوسياسي منها :
وهم الاستقرار المشروط
تتفاعل الأسواق المالية بحماسة مع “اليقين” أكثر من “الأخبار الجيدة”. وقد يخلق هذا الاتفاق نظرياً هدوءاً مؤقتاً يتبلور في استقرار نسبي لسعر الصرف الموازي، أو تحسن طفيف في قيمة سندات “اليوروبوندز”. لكن دعونا لا نقع في فخ التفاؤل المفرط؛ فالثقة الحقيقية للمستثمرين تُبنى على الضمانات المؤسساتية لا التواقيع السياسية.
طالما أن القطاع المصرفي بلا هيكلة، وقانون الكابيتال كونترول غائب، فإن أي أموال ستدخل لن تتعدى كونها “أموالاً ساخنة” سريعة التبخر. أما وعود إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات لسد خسائر تفوق 20 مليار دولار، فستبقى مرهونة بشروط سياسية قاسية من المانحين الدوليين، ومقترنة بتنفيذ إصلاحات صندوق النقد الدولي، فضلاً عن الحاجة لضمانات بعدم تدمير هذه البنية التحتية في أي جولة عنف مستقبلية.
فخ الجغرافيا وتاريخ الوعود
بعيداً عن لغة الأرقام ، يفرض الواقع الجيوسياسي قراءة نقدية للتاريخ . الاعتماد على الوعود الأمريكية والإسرائيلية يحمل مخاطرة سيادية قصوى . تاريخياً ، لم تنسحب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 إلا تحت وطأة الاستنزاف العسكري . أما في الأراضي التي غابت فيها المقاومة المستمرة (كالضفة الغربية والجولان)، فقد كرّست إسرائيل أمراً واقعاً عبر الاستيطان أو الضم. بناءً عليه ، فإن أي تنازلات جغرافية مسبقة تفتقر لأوراق قوة رادعة ، قد تنتهي باحتلال دائم مقنع.
التنازلات تحمل تكلفة اقتصادية كارثية تنقسم إلى شقين
خسارة برية (الأمن الغذائي): فقدان الأراضي الحدودية الجنوبية يعني تدمير سلة زراعية استراتيجية تعتاش منها آلاف العائلات ، ما يُنذر بموجة نزوح داخلي تزيد الضغط على بطالة متفاقمة وبنية تحتية متهالكة.
خسارة بحرية (ثروة الأجيال): التنازل عن المنطقة الاقتصادية الخالصة (مثل البلوكات 8 و9) هو ضربة قاصمة؛ فهذه المساحات هي الخزان المحتمل الأكبر للغاز والنفط ، وفقدانها يُخرج لبنان من نادي الدول المنتجة للطاقة ويجرده من أهم “أصل سيادي” للتفاوض مع الدائنين.
ان غياب الثروة النفطية المحتملة يعيد خلط أوراق التفاوض المالي بالكامل ، ويوجه ثلاث ضربات موجعة لخطة التعافي منها :
تعميق أزمة المودعين : بغياب إيرادات “الصندوق السيادي للنفط” ، سيميل صندوق النقد الدولي نحو خيارات قاسية كشطب الودائع الكبيرة Haircut) ) وتحويلها لأسهم في بنوك مفلسة Bail-in) ).
إضعاف الموقف التفاوضي: سيطالب الدائنون الدوليون بوضع أيديهم على إيرادات حيوية كالاتصالات والجمارك لتعويض غياب قطاع الطاقة.
استدامة العجز: سيبقى لبنان مرتهناً لاستيراد الطاقة بالعملة الصعبة (أكثر من 2 مليار دولار سنوياً)، ما يبقي الضغط مستمراً على ميزان المدفوعات وسعر صرف الليرة.
أمام هذا المشهد القاتم، ينحصر مسار الإنقاذ في علاج مر يتطلب قرارات جريئة:
إدارة أصول الدولة بحوكمة دولية : تجميع المرافق الحيوية مثل مرفأ بيروت ، طيران الشرق الأوسط ، والاتصالات في شركة قابضة لزيادة إيراداتها واستخدامها كضمانة مالية ، مع الحذر المطلق من خصخصتها العشوائية لسد العجز.
تسييل الذهب كضمانة: استخدام احتياطي الذهب (تتجاوز قيمته 20 مليار دولار) كـ “ضمانة” لقروض تمويلية منخفضة التكلفة، وليس لتمويل الاستهلاك أو تثبيت الصرف.
الجباية الشاملة: توسيع القاعدة الضريبية ، رقمنة الجمارك ، مكافحة التهريب ، وفرض ضرائب تصاعدية على الثروات لضبط الاقتصاد النقدي الموازي.
اقتصاد المعرفة: تحفيز قطاعات التكنولوجيا والزراعة التصديرية ذات القيمة المضافة للاستثمار في رأس المال البشري اللبناني.
في الخلاصة يضع اتفاق واشنطن لبنان أمام مقايضة خطيرة وهي شراء استقرار مؤقت مقابل ثروة الأجيال القادمة . التنازل عن الموارد السيادية يعني أن مسار الإنقاذ تحول إلى مجرد تأجيل لانفجار أزمة أعمق. ان البدائل المتاحة اليوم لتعويض هذه الخسائر تتطلب تفكيكاً كاملاً لشبكات الزبائنية والمحسوبية ، وهو ما يمثل انتحاراً سياسياً للطبقة الحاكمة ، فهل تجرؤ على تجرع هذا الكأس لإنقاذ ما تبقى من الوطن؟



