ثقافة

في ذكراه الرابعة: الشاعر حسن عبدالله.. كيف عرفته؟

 

كتب أحمد مالك عبدالله* – الحوانيوز

ها هو شاعرنا (حسن خليل عبدالله) يمضي السنة تلو السنة تحت الثرى، فلن تجف المآقي حزنا على لوعة الفراق الأبدي، ولن يخفت لهيب القلوب الملتاعة من ألم التفارق القسري، عن الذي ظهر ككوكب دُرّي في فضاء الجنوب الثقافي منذ ستينات القرن الماضي، وأخذ يسطع رويدا رويدا، بتأني الشاب الطموح المتيقن ايماناَ بأنه سيصل يوماً الى مبتغاه، من غير عجلة أو حرق لمراحل النبوغ البازغة في نفس ذلك الشاب الخجول، الذي لم يتخلى يوما عن الطبيعة في عالمه الخيامي الصغير جُغرافياً، الكبير داخل أروقة نفسه المتمردة على الذات بصمت رهيب، فبقيت مفردات الطبيعة الخيامية؛ (المرج، السهل، الوطى، الدردارة، الرقيقة، البارده، المسّيل، الغدير، النبعة، الساقية، الكرّوسه، الباشق، الشوّحة، الحسون، أبوالحن، الدوري، الزرزور، الوروار، اليمامة، الترغل، الكينا (الكناية)، الصفصاف، الحور، الزيزفزن، الزرنزخت، السنديان، الميّسة، الدفلة، البلوط، الحبق، الياسمين، الجوري، الفل، الغردينيا، اللوز، الجرنك، التين، الصُبّار، المردكوش، السماق، الزعتر، المسوبعة، السنابل، العنقود، الكوز، الكْبِش) المادة الأولية لأدبه الجزيل سواء شعراً، أو نثراً، أو مقالاً، وأخير مفاجئة العقد الأخير من حياته الدنيوية، وهي موهبة الرسم، فأبدع بها خير ابداع، ونال استحسان عباقرتها قبل اعجاب متذوقيها.
وبمناسبة مرور أربع سنوات لغياب الشاعر “حسن عبدالله”، أقامت الفنانة التشكيلية خيرات الزين صباح يوم الأحد (21 حزيران/يونيو 2026) في “مُلتقى خيرات الثقافي” قريطم بيروت، ذكرى تأبينيه بحضور الأهل، الأحبة، الأصحاب والأصدقاء الأوفياء بمقدمتهم أيقونة الصحافة وتاج الاعلام الأستاذ الكبير فيصل سلمان، الأديب الكاتب هيثم الأمين، العميد (م) حسن بشروش، الإعلامي عبد الغني طليس، الإعلامي فيصل عبدالساتر (الذي وصل متأخراً بعد أن غادر الكثيرون) وغيرهم الكثيرون من الذين ازدانت بهم صالات الملتقى الداخلية وتلألأت بحضورهم شرفاته الخارجية.
أُفتتح الحفل بكلمة مُعبرة للإعلامي الشاعر زاهي وهبي (مدير الحفل) “حسن العبدالله علامة فارقة بالشعر العربي الحديث، هو مزيج من البراءة والالتزام، الالتزام الإنساني العميق، حس السخرية العالي بس في نفس الوقت يعني تعبير عن قضايا كبرى تمس الانسان اللبناني الجنوبي بشكل خاص، والعربي عموماً والانسان وين ما كان.”، ثم تلته الفنانة التشكيلية خيرات الزين (صاحبة الدعوة والملتقى) “حسن بيفيق فينا الحواس الخمسة بكل شيء، بحسّه لم يغادر طفولته، بكل شيّ، بقصايده، بطيبته، بعفويته”، وأخذ المنبر الشاعر الكبير مصطفى سبيتي، مُرتجلا قصيدة من وحي المناسبة إهداءً للفقيد الأفخم: “تحت شلال القوافي نستحم وأُفُسِدّت أشعارنا …. فالوحل ما نُسقى وسمُّ ما نشمُّ”، ثم كانت لي مداخلة أوضحت فيها سر علاقة شاعرنا بنبع “الدردارة” الرقراق المتربع في واسطة مرج الخيام بسهل مرجعيون.
ثم الشاعر سليم علاء الدين الذي أتحف الحضور بقصيدة مُعبرة لهذه المناسبة العزيزة على أفئدة الحضور الكرام:
“كيفك حسن؟ عم يسأل عليك الوطن ….. شايف شو عم يصير قدامك ….. عم تنوجع وتقاوم خيامك، كيفك حسن يا نايم ببال الزمن …… وعّي القصيدة النايمة بفكرك حبق …. تعمل مع الدهشة سبق”، وأعقبه الموسيقي والشاعر علي نصار، سولاف عبدالله (كريمة الشاعر الراحل عصام عبدالله، ورئيسة المؤسسة التي تحمل اسم والدها)، الدكتور الاستشاري محمد وهبي، الإعلامية لوركا سبيتي: “سأل حسن يوما سؤالا وجوديا وجدانيا جديا: من أين أدخل في الوطن؟ الوطن الذي فتشت عن بابه، دخلته انت من قلوب الناس. دخلته قصيدة، وبقيت فيه!”، المهندس مالك غندور (رئيس التجمع اللبناني للبيئة)، المحامي حسيب سبيتي، أستاذة الفلسفة الدكتورة زينب شوربا: “إذا بدنا نقرأ أشعاره وكتاباته، حسن بيطلع مأسس تأسيس فيلسوف ملّهم” ، الروائية علوية صبح “يندهش مثل ما قصيدته مليانة دهشة”، واختُتم اللقاء بكلمة عائلة الشاعر الراحل، ألقتها جاندارك عبدالله (كريمة شقيقة الشاعر) التي شكرت الحضور الكرام الذين شاركونا لقاؤنا التذكاري. هذا وفي نهاية الحفل تم توزيع نسخة مجانية لكتاب قصيدة “الدردارة” الطبعة الثانية (2026) والتي تم إنجازها من قبل السيدة النبيلة خيرات الزين.
في عام (1978م) صدر له ديوانه الأول “أذكر أني أحببت”، وقدم للمرحوم والدي نسخة من ذلك الديوان، مذيلا بتوقيعه وبكلماته الرقيقة، ثم كرت سُبحة مليكة الشعر لدى شاعرنا المُكرم. بدءاً من قصيدة “الدردارة”، وأذكر أن صحيفة “السفير” البيروتية هي أول من نشر له قصيدة “الدرادرة” على صفحتين متقابلتين، (التي والتي أصدرها لاحقاً في كتاب لوحدها عام 1981م)، والتي تخالها أسطورة هندية، أو ملحمة اغريقية أو معلقة جاهلية، أو كُلهم انصهروا واندمجوا معاً، وتبعها بعد فترة ليست بقصيرة ديوانان “راعي الضباب” (1999م) و”ظل الوردة” (2012م).
ثم انعطف شاعرنا للإبداع في أدب الأطفال، وأخذ بكتابة قصص جميلة لهم، ومن ثم تولت إحدى دور النشر مهمة نشرها وتوزيعها، حتى بلغ عددها (60) مؤلفاً، ومنها ما طُبع أكثر من مرة، والتي نالت جميعها الاستحسان الموفور سواء من نظرائه الأدباء او من راصديه النقاد وما أكثرهم على مساحة الوطن العربي الكبير، كما وقد استحصل بعض تلك القصص على الجوائز القيّمة وشهادات التقدير الجمة بالإضافة للدروع التكريمية. هذا بالإضافة الى اقامته للمعارض الفنية التي برزت من خلالها موهبته اللامعة برسم اللوحات التشكيلية الأخاذة والتي تجاوز عددها الأربعين لوحة.
قد يصفه البعض بأنه شاعر اسطوري انتفض عندنا من طرابين الملاحم الاغريقية، بل هو أجزل من ذلك، هو نتاج البيئة العاملية بفلاحيها ومقاوميها، بالكادحين منذ طلوع الشمس نحو السهول والروابي ليجبلوا بعرقهم أرض جبل عامل المعطأة، هو ذلك الثائر الرافض للذل والخنوع ممتطيا فرسه، شاهر سيفه بوجه كل دخيل أتى ليدنس أرض الطهارة والسؤدد.

* ناشط اعلامي وباحث بتدقيق وأرشفة تاريخ شرق جبل عامل)
* بيروت في (21 حزيران/يونيو 2026)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى