منوعات

فن الحب The Art of Loving ( 1)

 

بقلم توفيق العمري*
" ويحولون الحب إلى إسم Love، بدلا من أن يكون فعل  Loving، فعلا من أفعال تجربة وجودية. وهكذا تسيطر ثقافة  "التملك" على ما هو بعيد عن التملك؛ وهذه الطريقة في استخدام الأسماء المرتبطة بالتملك هي طريقة في حماية المرء نفسه من أن يعيش تجربة.
… والحب مقدرة، وليس رغبة سلبية. وهو في أساسه ليس علاقة بشخص محدد، وإنما هو موقف، توجه من الطبع يحدد توجه شخص بالعالم في كليته، وليس توجها نحو " موضوع " واحد من موضوعات الحب."
بتلك العبارات العميقة، يقدم الأستاذ  محمود منقذ الهاشمي ترجمته  البليغة لكتاب إريك فروم الجميل " فن الحب The Art of Loving ".
وفي مقدمته لكتابه يقول اريك فروم: " يود هذا الكتاب أن يظهر أن الحب ليس عاطفة يسهل على أي فرد أن يسترسل فيها، بقطع النظر عما بلغه من مستوى النضج.  وان الارتواء في الحب الفردي لايمكن للمرء بلوغه من دون القدرة على محبة جاره، ومن دون التواضع الحقيقي، والشجاعة، والإيمان، والتدرب. وفي الثقافة التي تعز فيها  هذه الخصائص، لابد أن يظل إحراز القدرة على الحب إنجازا نادرا. ".
….
وسأقتصر  في تقديمي من الكتاب على مقتطفات أساسية من الفصل الاخير من الكتاب، والمعنون ب  " ممارسة الحب "، الفصل الذي يحتوي على منهجية ممارسة أي فن اوبحث اوموضوع".
يقول إريك فروم  في مقدمة هذا الفصل: انا أخشى ان يصاب أي شخص يقارب هذا الفصل الأخير والذين يتوقعون أن يجري تعليمهم كيف يحبون، ويتوقعون إعطاءهم وصفات طبية " كيف تقوم بذلك بنفسك "، بخيبة  أمل فادحة، إن الحب تجربة شخصية لايمكن أن يمارسها أي شخص إلا بذاته ومن أجل ذاته…. وما بوسع البحث في ممارسة الحب أن يفعله هو مناقشة مقدمات فن الحب، ومقارباته إن جاز التعبير، وممارسة هذه المقدمات و المقاربات.
ويتابع فروم : إن لممارسة أي فن بعض المتطلبات العامة، بقطع النظر تماما عن مسألة هل نتعامل مع فن النجارة، أم الطبابة، أم فن الحب….
والفصل يشرح لممارسة اي فن التالي:
متطلبات ممارسة الفن تشمل: الانتظام، التركيز، الصبر، الاهتمام الفائق، وتعلم عدد كبير من الأمور الأخرى.
وكيفية ممارسة: الانتظام، والتركيز.
ثم الصفات الهامة في القدرة على الحب وتشمل: الموضوعية والتغلب على النرجسية، التواضع، الإيمان العقلي بالنشاط الانتاجي، الشجاعة، الصلة بالاجتماعي، والنزاهة واختلافها عن الحب.
في المتطلبات العامة لممارسة الفن يؤكد فروم على ضرورة الانتظام. فلن أكون جيدا في أي شيء إذا لم أقم به بطريقة منتظمة؛ المشكلة  هنا لا تنحصر في أنها مشكلة انتظام في ممارسة الفن المخصوص ( لنقل ممارسته عددا من الساعات كل يوم  ) وإنما هي مشكلة انتظام المرء في حياته كلها. ولولا هذا الانتظام لتشظت الحياة، وعمت فيها الفوضى، وافتقرت إلى التركيز.
إن التركيز شرط ضروري للتمكن من الفن.  حيث أن التركيز أندر في ثقافتنا  " الكلام كله ل "اريك فروم " حتى من الانتظام الذاتي. على العكس، تؤدي ثقافتنا إلى نموذج للحياة منتشر وغير مركز. فأنت تقوم بأمور كثيرة في وقت واحد، تقرأ، وتستمع إلى المذياع، وتتكلم، وتدخن، ، وتأكل، وتشرب. أنت المستهلك ذو الفم المفتوح، التائق إلى إبتلاع كل شيء والمستعد له، الصور، والمشروب، والمعرفة. وانعدام التركيز هذا ظاهر بوضوح في صعوبة انفرادنا بأنفسنا. ( التدخين عرض من أعراض هذا الافتقار إلى التركيز، فهو يشغل اليد والفم والعين والأنف.)
والعامل الثالث هو الصبر.  إذا كان مبتغى المرء الوصول إلى نتائج سريعة، فلن يتعلم الفن أبدا.  فان ممارسة الصبر عسيرة على الانسان الحديث. ونظامنا الصناعي الكلي يغذي النقيض تماما: العجالة، وقد صممت آلاتنا كلها من أجل السرعة، وكلما كانت أسرع كان ذلك أفضل. وحتما هناك أسباب اقتصادية مهمة لذلك. غير أن القيم الإنسانية قد صارت تحدد  بالقيم الإقتصادية. وأصبح المنطق يسير  بأن ما هو جيد للآلات يجب أن يكون جيدا للإنسان، ومع هذا لايعرف الإنسان ماذا يفعل بما يكسبه من الوقت- غير قتله.
وأخيرا، فإن شرط تعلم أي فن هو الاهتمام الفائق بالتمكن من الفن. إذا لم يكن للفن الأهمية الكبرى، فلن يتعلم البادئ شيئا. ويبدو مع هذا كأن النسبة بين المتمكنين والمتلهين أرجح لصالح المتلهين بفن الحب مما هي الحال بالنسبة إلى الفنون الأخرى.
وعلى المرء أن يتعلم عددا كبيرا من الأمور الأخرى- التي تبدو منقطعة الصلة غالبا- قبل أن يبدأ بتعلم الفن ذاته. والمبتدئ مثلا في فن الرماية في " بوذية الزن" بالقيام بتمرينات التنفس. وإذا أراد المرء أن يصبح متمكنا من أي فن، فيجب أن تنقطع حياته كلها إليه، أو على الأقل أن ترتبط به.
وهذا يعني  فيما يتصل بفن الحب أن على اي شخص يتوق إلى أن يغدو متمكنا من فن ا لحب أن يبدأ بممارسة الانتظام، والتركيز، والصبر في كل مرحلة من مراحل حياته.
* كاتب -الجمهورية العربية السورية
(1)في الجزء الثاني، كيفية ممارسة الانتظام والتركيز، والصفات الهامة في القدرة على الحب.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى