سياسةمحليات لبنانية

عذراً يا وطني… إني مهاجر!

 

لطالما حملت الأمل نبراساً يضيء لي الطريق مهما عصفت الصروف القاهرة في ساحة وطني الحبيب… لطالما أعلنت التحدي الصارخ أمام كل نوائب الحروب الصغيرة والكبيرة، وفقدان الأحبة، وضياع الأرزاق، ففي جنبات الوطن، على الرغم من كل شيء، تكمن نعمة الأمان وتسود الطمأنينة النفس الخائفة ويكبر القلب ولا يرتاب… الفرج لا بدّ آتٍ مهما ضاقت السبل، فلكل ليل نهاية عند استفاقة الشمس الثائرة، وانتشار النور في كل أرجاء العتمة البائسة، وستحلو الحياة مجدداً، وينتفض السامد من حضن الكآبة… لا بد أن يبتسم لبنان بعد طول انتحاب…
لقد انتهت الحرب الأهلية رغم كل المآسي، وتغلّب الناس على آلام الجراح، وحطموا كل ذكرى سوداء تعود بهم إلى ماضي القتل والدمار…
لقد انسحب الصهاينة بعد طول احتلال، وحقق اللبنانيون نصراً مميّزاً لم تعرفه الساحات العربية من قبل، وازدهرت الأرض المشتاقة إلى لمسة الحب من العائد إليها بعد طول انتظار.
ولكن…
أما آن الأوان يا وطني لتستريح؟
أفهل قدرك ألا تجف مدامعك الحزينة ولا تنضب جراحاتك المزمنة؟
أفهل قدرك أن يسودك المجرمون واللصوص في السلم كما سادوك في الحرب؟
أن يعيش الناس أذلاء لقمة العيش والدواء وكفاف اليوم الطويل الذي لا ينتهي؟
أفهل قدرنا أن ننتخب الذي قتلنا بالرصاص من قبل ويقتلنا بالجوع والحرمان اليوم؟ لماذا نرفعه سيفاً يقطّع من أوصالنا ويشرّد أطفالنا ويطفئ شمعة الأمل التي تبقينا في عداد الأحياء؟
لقد اعتدت أن أطرد اليأس من روحي، أؤجله إلى يوم تمنّيته ألا يأتي، لكنه جاء اليوم بعد أن تعبت النفس من خداع النفس. وكيف يمكن للمرء أن يبارك وجوده وخنجر اليأس يلعنه ويرسله نحو غمرات العدم؟ كيف يمكن للمرء أن يسير في درب سحيق والقلق من الآتي يربك خطوه ويلعن مسيره ولا بارقة أمل تهدئ من روعه وتأخذ بيده إلى ساحل الأمان…
لقد أسروك يا وطني في بؤرة الخوف الخانقة، ولم تعتد غير الانطلاق في الفضاء الرحيب. نَفَتْك الزعامات الرخيصة ولم تقوَ على المقاومة، لأول مرة أبيت التحدي وركنت إلى ركن في المنفى بعيد. قهروك يا بلد الفقراء والكادحين ولم تتخلَّ عن أحبائك، لكن أثقال الجريمة أتعبتك، ومكائد الأوغاد آلمتك، وخذلان أهلك بارك موبقات اللئام، فإلى أين المسير؟
كفرتُ بأهلك يا وطني وما كفرت يوماً بوجودك السامي، ولا حضنك الدافئ، ولا تُربك الشامخ… كفرت بحاكم يرفع رايات الفضيلة، وقلبه ينبض بالرذيلة… كفرت باللصوصية التي تحاضر بكل عبارات الشرف والنزاهة… كفرت بالزعماء القابعين في قصور عاجية وأنصارهم المتعبون يلوكون الذل مع كل لقمة يابسة… كفرت بسياسة النفاق التي أربكت البلاد ودمرت أركانها باسم الحرية والعدالة والمساواة، والعبودية سائدة والظلم قائم والقوي يأكل الضعيف…
لن أنساك يا وطني وكل ما في روحي يحكي تفاصيل عشقي لك وحبي لأرضك وفضائك،
لكن اعذرني إذا ما جبنت وقررت أخيراً الانسحاب، فلم يعد سيف المحارب يقوى على القتال، ولم يعد القلب ينبض حزماً وقوة، وقد سقط الصبر صريعاً بعد طول انتظار…
أحبك يا وطني ولكن… أعذرني، فإني مهاجر إلى حيث لا يسود الأرض المجرمون، ولا يحكم الناس القَتَلى، ولا يحمي خزائن العباد اللصوص…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى