منوعات

رمضان ايمان وصيام.. وصراع بين الروح واجسد

 

من المعلوم ان الأفكار تتنازع وترضى في ما بينها، منها ما يؤنب ومنها ما يحرّض ومنها من يقرّر لتؤلف مجتمعة جهازا نفسياً، منها النفس اللوامة ومنها الامارة بالسوء ومنها الأنا المطمئنة، منها الأنا الأعلى كالضمير ،ومنها الشهوة والغريزة ومنها الأنا،فيها ما يكفي من صراعات بناء وتدمير، صراع نور وظلام، صراع حياة وموت، صراع حب وكراهية في دائرة يقظة ونوم، ضمن وعي و لاوعي ، ضمن شعور ولا شعور وحتى قبشعور…
النفس كينونة لها حدودها المادية، تسكن الدماغ وربما الجهاز العصبي وربما الجسد كلّه.
ليست النفس بكينونة تسقط من أعلى لتكون في جسد، بل النفس انتاج ووليدة حركة المادة العصبية تتأثر فيها وببيولوجيتها وببيو -كيميائيتها و ببيو-فيزيائيتها وبوظيفتها ككلّ، علاقة النفس بالمادة علاقة تابعة لمتبوع، ثانٍ لأوّل، هي علاقة متكاملة وثيقة بين مادة ومنتوجها والنتاج هنا فكر  وذكاء ومشاعر و وجدان.

تشهد هذه العلاقة بين الجسد والنفس
محاولات دائمة للتكامل الاندماجي وللتباعد النهائي وحالات متدرجة أخرى ما بين تلك الحالتين.

الصيام هو  أحدى محاولات  النفس الواعية والمفرطة في عقلانيتها لتهذيب ولترويض الجسد او ممثلي حاجاته في النفس بغية تطويعه وإخضاعه لمشيئتها ، محاولة فرض الأفكار كأوّلوية على المادة، فرض صفاء الفكر على حاجات الجسد التافهة، احتقار سموّ الافكار للقوى المادية الجسدية.

ما التزهد والتنسك والتعبد الا محاولات من النفس للفوز بالجسد بغية السيطرة عليه سيطرة كاملة ونهائية لصالح الفكرة الأسمى والحقيقة الفكرية المطلقة، اي الربّ، متجاهلة كل حاجات الجسد وكل نداءات ممثليه في النفس كالغريزة والشهوة وارادة التميّز الانانية والعدوانية .

إذن التعبد والتزهد والتنسك  هو انتصار النفس اللوامة على النفس الامارة بالسوء، عبر سيطرتها و إخضاعها   للأنا  المطمئنة ، تفوق الانا الأعلى على قوى الشهوات والغرائز عبر اسقاط الانا واحتلالها بل وضمها كتابعة للأنا الاعلى .

الصيام محاولات ترويض النفس للجسد بهدف الفوز والانتصار عليه واخضاعه كتابع اي محاولة تمرّد بحركة ارتدادية لتتقدم الفكرة على المادة .

الانتحار هو تحرّر وطلاق نهائي واستقالة لا رجوع عنها  للنفس من الجسد  الذي تسكنه عندما ترتفع حدّة صراعاتها الفكرية الى حدّ تصبح فيه مساكنة الافكار المتضاربة مستحيلة في نفس الجسد الواحد…

اطلاق الحرية للشهوات وللغرائز وللإنانية وللعدوانية وللتميّز ظلماً وللشبع المفرط خلف لذات لا تنتهي لانتصار للنفس الامارة بالسوء، ضدّ النفس اللوامة عبر استحواذها على الانا المطمئنة اي اكتساحا لممثلي الجسد في تركيبة النفس ضد الانا الاعلى عبر إخظاعها للأنا الناطقة بإسم النفس ككلّ حيث لا حاجة لصوم ولا لتزهد ولا لتعبد ولا لتنسك ولا لترهبن.

الصيام اذن صراع تاريخي بين المادة والفكر، بين النفس والجسد…

الروح من أمر ربي للمؤمنين …
الروح بمعنى الحياة او بمعنى حركة الحياة في المادة لغير المؤمنين…

وحدها النفس التي ستحاسب في يوم القيامة بعد الموات بينما الجسد سينتهي للعدم أما الروح فيعلم لله وحده  عندئذ مستقرّها …
النفس والجسد والحياة ينتهون للعدم عند الموت لغير المؤمنين..
والسلام عليكم
رمضان كريم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى