حين لا تتساوى الجغرافيا في زمن الحرب: الجنوب خارج معادلات الحماية؟(زينب إسماعيل)

كتبت زينب اسماعيل – الحوارنيوز
بالأمس، لم تكن المسألة مجرد تهديد عسكري جديد، ولا مجرد تصعيد إضافي في حرب اعتاد اللبنانيون أن يعيشوا تفاصيلها اليومية. ما حدث كشف شيئًا أعمق: كيف تُصنع معادلات الحرب، وكيف تُرسم حدود الحماية داخل البلد الواحد، وكيف يمكن للجغرافيا نفسها أن تتحول إلى معيار غير معلن لتوزيع الخطر والأمان.
بعد التهديدات المتبادلة، برزت معادلة واضحة: إذا ضُربت الضاحية الجنوبية، سيُضرب الداخل الإسرائيلي. وبعد سلسلة اتصالات سياسية وأمنية، خرجت تصريحات تتحدث عن تجميد الهجوم على بيروت والضاحية الجنوبية، وعن وقف متبادل لإطلاق النار على هذه الجبهة تحديدًا.
لكن وسط كل ذلك، بقي سؤال آخر دون إجابة: ماذا عن الجنوب؟
السؤال هنا ليس عسكريًا فقط، بل سياسي ووطني أيضًا. فإذا كانت الضاحية وبيروت دخلتا ضمن معادلة ردع فرضت خطوطًا حمراء جديدة، فلماذا بقي الجنوب خارج هذه الخطوط؟ ولماذا يستمر القصف والاحتراق اليومي هناك، فيما تتحرك الجهود الدولية والإقليمية بسرعة أكبر لمنع توسع النار في مناطق أخرى؟
في الحروب، لا تُرسم الخرائط فقط على الورق، بل تُرسم أيضًا عبر الأولويات. هناك مناطق تصبح حساسة سياسيًا وأمنيًا فتُحاط بمساحات أوسع من الردع والاهتمام، وهناك مناطق أخرى تتحول تدريجيًا إلى ساحات استنزاف دائمة، لا لأن سكانها أقل قيمة، بل لأن استمرار تعرضها للخطر يصبح جزءًا من المشهد المعتاد.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: اعتياد الخسارة.
فالجنوب اللبناني لم يعد يُقدَّم في الخطاب العام بوصفه منطقة تعيش ظروف حرب استثنائية، بل كأنه مساحة يُفترض مسبقًا أن تبقى تحت النار. ومع الوقت، يصبح الاعتياد أخطر من القصف نفسه، لأن الخطر لا يعود في الصواريخ وحدها، بل في تحويل منطقة كاملة إلى هامش دائم للأزمة.
المشكلة ليست في حماية بيروت أو الضاحية الجنوبية. حماية المدنيين ليست امتيازًا جغرافيًا، ولا ينبغي أن تكون موضع مقارنة أصلًا. المشكلة تبدأ عندما يبدو المشهد وكأن هناك مناطق يُمنع المساس بها تحت ضغط المعادلات السياسية والعسكرية، فيما تبقى مناطق أخرى مفتوحة على احتمالات النار اليومية.
الأخطر من ذلك، أن هذا التفاوت لا يترك أثرًا أمنيًا فقط، بل يترك أثرًا نفسيًا وسياسيًا عميقًا. حين يشعر جزء من اللبنانيين أن جغرافيتهم أقل حضورًا في معادلات الردع، أو أقل أولوية في حسابات الحماية، تتراجع فكرة الدولة الواحدة لصالح شعور آخر أكثر قسوة: أن الوطن نفسه بات درجات في الحماية ودرجات في الخطر.
في النهاية، لا تُقاس الحروب فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل أيضًا بالأسئلة التي تتركها خلفها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط من يردع من، ولا أين ستتوسع الحرب، بل: هل ما زالت قيمة الجغرافيا داخل الوطن الواحد متساوية عندما تُرسم خطوط النجاة فوق أماكن، وتُترك أماكن أخرى خارج المعادلة؟



