سياسةمحليات لبنانية

ثائرات طرابلس: كتابة تاريخ مدينة على المتوسّط

 

ظهّرت الثورة اللبنانيّة المتواصلة وهي تدخل أسبوعها الرابع، قدرة غير محدودة للنّساء على الفعل فيها، وكان آخرها مسيرة "نساء طرابلس"، التي اخترقت شوارع المدينة، صادحات حناجرهن بدولة مدنيّة، تعيد لهن العدل والإنصاف، الذي حرمتهن منه سلطة الطوائف، المتحَاصَصة، صابغين الشارع بأنثويتهن، رافضات لذكوريّة السلطة، مؤنّثات لها شارعيّا، متقدّمات، كما في كلّ الميادين، على الذكور، مسيّرات لهم، طاوياتهم خلف شعاراتهن.

ما ميّز تلك المسيرة أيضًا، بالإضافة إلى اصطفاف الذكور خلفهن، هو حمل الأخيرين شعارات، ضدّ النّظام البطريركيّ، الذكوريّ، الأبويّ، مضافًا إليه البغضاء للطائفيّة، والعنصريّة، وكانت تلك الشعارات حتى الأمس القريب، من المحرّمات، او هكذا كان يظن مخيال التحليل الجماعي، في تحليله لوضع المدينة والنّساء الطرابلسيّات.

ما ميّز الثورة اللبنانيّة أنّها أعادت إبراز الوجه المتوسّطيّ للمدينة، متوسّطة في ذلك شبابها ونسائها، وشعاراتها، وأهازيجها، وأغانيها، وأناشيدها، مبعدة كلّ ما يمتّ للبغضاء سبيلا، كما أعادت وصل من انقطع من زمانها المنفتح بحاضرها، وهو على ما يبدو كان يعتمل في دواخلها (المدينة)، لم تسعفها أيامها الماضية على إبرازه، وإعلائه.

لم تنسَ النّساء الطرابلسيّات، إبراز الوجه الطبقيّ للمدينة، وكنّ محتفظات به في دواخلهن، أظهرنه خلال أسابيع ثلاثة على الملأ، لم يخجلن به، لأنهن كان يعشنه كلّ يوم، في ثوانيه، ودقائقه، وساعاته، وهنّ الزوجات اللواتي يعشن مرارة الأيام مع أزواجهن، المتعطّلين عملا، والمتحسّرات على عيش بناتهن وأبنائهن، في قعر المجتمع اللبناني، غارقين في الفقر، والعوز، والحرمان من أدنى الحقوق، في حين ينعم من في السّلطة والمستفيدين من نعيمها، بما سلبوه منهن.

بغض النّظر عن الأحكام التي تطلق على الثائرين في لبنان، تأييدا أو اعتراضا، تمجيدا او تشويها، فالثورة أطلقت الأرواح الإنسانيّة من القمقم الذي حُبست فيه طويلا، وأشعرتهم بقيمتهم الإنسانيّة، قبل أيّ شيء آخر، وكيف للنساء منهم، باعتبارهن حاملات لشعور إنسانيّ أكثر تكثيفًا بما لا يقاس بالذكور.

إزاء ذلك، تتوهّم القوى السياسيّة، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فالنّاس أعادت اكتشاف ذواتها، وهي لن تتراجع قيد أنملة عن إعادة صياغة حياتها على أساس ذلك الاكتشاف، فاعتبروا يا اولي الألباب؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى