ثقافة

بورتريه فريد منصور.. حفر عميقا في جوهر الانسان والمادة

 

إعداد  اسامة عمر منصور ابو فرج – الحوارنيوز – خاص

من الإجحافِ النظرُ إلى فريد منصور بوصفه مجرد فنان عابر في تاريخ الحركة التشكيلية اللبنانية؛ إذ لم تكن رحلته الإبداعية مجرد انعكاسٍ للواقع، بل كانت حفرًا عميقًا في جوهر الإنسان والمادة.

لقد كان واحدًا من أولئك الرواد الذين زاوجوا بين نبل الريشة ورهافة حسّ النحات، ليصنع من صمت الطين وعنفوان المعادن المصبوبة خطابات بصرية وفكرية تنبض بالالتزام الإنساني والعاطفي، بعيدًا عن صخب الأضواء ومطامح الوجاهة الفنية.

 

  النشأة والجذور: الانحياز إلى الهامش

وُلد منصور في الشويفات عام ١٩٢٩، ونشأ في بيئة لبنانية تموج بالتحولات السياسية والاجتماعية. ومنذ  خطواته الأولى  في عالم الفن، لم يكن يبحث عن ترفٍ جمالي أو مكانة اجتماعية، بل كان مسكونًا برغبة صادقة في التعبير عن مجتمعه. تجلى ذلك في شغفه المبكر برصد ملامح البسطاء ومعاناة الكادحين، فجاء فنه وليدَ انحيازٍ مطلق للفقراء والمهمشين والمهجرين بفعل الحروب والظروف، مفضلًا الانغماس في قضاياهم على الانخراط في صالونات النخبة المعزولة.

  المحطة الأوروبية: نضج الرؤية الكونية

ومع ذلك، فإن المحطة المحورية التي صقلت هذا الحضور الاستثنائي تمثلت في سفره إلى أوروبا، وتحديدًا إلى لندن في ستينيات القرن الماضي، حيث تعمق في دراسة النحت والرسم، وتشرب الحداثة الغربية وتياراتها التشكيلية. هناك، لم يذب في الآخر ولم يلهث وراء الانتشار السريع، بل اعتزل بهدوء ليمتلك الأدوات والتقنيات التي تمكنه من تطويع المادة وتحرير اللون، ليعود إلى مشرقه برؤية حداثية ناضجة تحاكي العالمية دون أن تنفصم عراها عن الجذور اللبنانية والعربية.

التوازن العبقري بين الرسم والنحت

تجلت عبقرية فريد منصور في ذلك التوازن المدهش الذي حافظ عليه بين الرسم والنحت.

 * في لوحاته: انشغل بواقعية تعبيرية تمنح الشخوص أبعادًا نفسية ووجودية عميقة، حيث كانت كل ضربة فرشاة بمثابة توثيق صامت للأحزان البشرية.

 * في النحت: ترفع عن الرخام وصلابته النصبية، واتجه نحو الطين؛ تلك المادة الأولى الطيعة التي كان يشكلها بأصابعه في سكون محترفه، يبث فيها من روحه وقلقه قبل أن يصبها في سبائك معدنية متينة تضمن لها البقاء المادي. ومن خلال هذه المنحوتات الحميمية، صاغ مواقفه الإنسانية وتضامنه مع المأساة البشرية، محولًا القطع اللمسية الشاعرية إلى شهادات حية على صمود الإنسان في وجه العاصفة.

المثقف العضوي وقضايا الأمة

لم يكن انخراطه في الفكر والسياسة إلا امتدادًا طبيعيًا لالتزامه الفني والأخلاقي. فلم يكن منصور من هواة اعتلاء المنابر أو تصدر العناوين، بل كان مثقفًا عضويًا يفضل العمل الصامت، يكتب ويحاضر ويقاوم بالكلمة كما يقاوم بالإزميل والطين. وقد تجسد هذا الالتزام في تعاطفه العميق مع القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضايا المهجرين، مشاطرًا إياهم وجع اللجوء والمنفى، فغدت منحوتاته ولوحاته صرخة حرية تعكس مأساة الروح المعذبة وتوقها الأزلي إلى الاستقرار والانعتاق.

الأثر الأكاديمي والعمل النقابي

بعد عودته إلى بيئته الأكاديمية والمهنية في لبنان، أصبح منصور ركيزة أساسية من ركائز التعليم الفني والعمل النقابي، متفانيًا في توجيه الأجيال الشابة دون تطلع إلى ثناء أو شهرة. وساهم بغزارة في إغناء الحركة التشكيلية من خلال مشاركاته الرصينة في المعارض الرسمية والخاصة. وكان، إلى جانب أقرانه من رواد الحداثة اللبنانية، صلة الوصل الحيوية التي عبرت بالفن من أطره الكلاسيكية إلى آفاق التعبير الحديث، تاركًا بصمة لا تُمحى في وعي الأجيال المتعاقبة من الفنانين.

الصدق الفني والطقوس الصوفية

ما يميز تجربة فريد منصور هو صدقه الفني المطلق وترفعه عن الاستعراض البصري أو الاجتماعي؛ فقد كان ينحت ويرسم كمن يمارس طقسًا صوفيًا في عزلة اختيارية، باحثًا عن الجوهر لا المظهر، مفضلًا صياغة التفاصيل الإنسانية الرقيقة في حميمية محترفه على صنع النصب الضخمة. وتميزت منحوتاته بسيولة هائلة تعكس طواعية الطين وقوة البرونز، وكأنها تليّن قسوة الأيام لتصوغ جمالًا تعبيريًا خالصًا.

الإرث الخالد

رحل منصور عام .٢.١، غادرنا بالجسد في صمت يشبه حياته، لكنه بقي حاضرًا بقوة من خلال أعماله التي تحفظ الذاكرة الجماعية للوطن وتزين المجموعات الفنية النخبوية في العالم العربي. لقد كان، بحق، نحاتًا للروح وقارئًا لتضاريس الأرض، غرس أصابعه في عمق الهوية، تاركًا إرثًا تشكيليًا عصيًّا على النسيان.

  بناءً على ذلك، تظل أي قراءة في شخصية فريد منصور قاصرة ما لم نقل: إنه لم يكن مجرد نحات ورسام ماهر، بل كان قامة إنسانية وثقافية اختارت الانحياز للإنسان في أصدق تجلياته، ونجح في تحويل الطين والشكل إلى وثيقة شرف تؤرخ لكرامة البشر وصراعهم الصامت من أجل البقاء والحرية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى