دولياترأيسياسة

المسألة الافغانية: لماذا وضع العربة امام الحصان؟(طلال الإمام)

طلال الإمام – ستوكهولم

عادت أفغانستان لتتصدر  وبقوة نشرات الاخبار والصحف ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف انحاء العالم. السبب هو سيطرة طالبان على البلاد بعد احتلال امريكي دام عقدين من الزمن، وتهاوي الحكومة المدعومة من امريكا والناتو بسرعة لافتة .كما امسكت  طالبان بخيوط اللعبة بتواطؤ امريكي لايخفى على احد .ويبدو ان اجندات الطرفين تلاقت،  لذلك جرى التخلي عن حكومة كانت دمية بيد المحتل مع انسحاب امريكي مذل بعد ان سلم طالبان كميات كبيرة من مختلف صنوف الاسلحة،  يضاف اليه استسلام الجيش الافغاني الذي دربته امريكا سنوات ثم تخلت عنه وعن الحكومة الافغانية بعد ان نفذ دورهم .

اجندة طالبان اعلنتها  بالفم الملآن: “إقامة إمارة إسلامية”، الامر الذي يعني تحويلها  نقطة تجمع وجذب لمختلف التنظيمات الارهابية المتشددة بإنتظار المهمة او المهمات التالية.

اجندة الامريكان والناتو جعل افغانستان ( بغض النظر عمن يحكمه المهم تنفيذ اجندتها ) قاعدة متقدمة ضاغطة  لها على حدود ايران، الصين ودول جنوب الاتحاد الروسي .قاعدة سيتم نقل الارهابيين من سورية وبلدان اخرى اليها  من اجل تنفيذ اجندات تحاول وقف اوعرقلة تقدم الصين الاقتصادي والسياسي العسكري الروسي، عرقلة مشروع طريق الحرير وابعاد مروره عبر ايران . وبكلمة خلق قلاقل لتلك البلدان .ولذلك برزت الجندرمة العثمانية وعرضت  خدمات الاشراف الامني على مطار كابول من اجل الاسراع في نقل الارهابيين ، وربما من اجل تأمين طريق المخدرات ووصوله الى اسواق امريكا والغرب ، اضافة الى محاولات لاحقة لاشعال اقتتال  طائفي واثني بين مختلف مكونات الشعب الافغاني كي تستمر السيطرة عليه وعلى موقعه الاستراتيجي وبالتالي يستمر تخلفه  . .

تقاطعت الاجندات اذاً ،والشعب الافغاني المسكين  يدفع الثمن تخلفاً اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً /ثقافياً.  تخلف يعيده   للقرون الوسطى بغطاء ديني /طائفي او اثني .

تلك برأينا قراءة سريعة واولية  لنتائج سيطرة  طالبان على افغانستان.

ولكن …رغم ان المراقب العادي والذي لديه اطلاع ما على تلك الاجندات يدرك حقيقة  الاسباب  البعيدة والقريبة لسرعة سيطرة طالبان وتهاوى سلطة مدعومة من قوى عالمية مؤثرة ( امريكا وحلفائها ) تملك ترسانة عسكرية ، اقتصادية ومالية واسعة.

تابعنا كيفية  تعاطي  بعض  وسائل الاعلام العالمية والسويدية بشكل خاص للحدث الافغاني ….شيء صادم فعلاً …ويقدم نموذجا كيف يخدم ذلك  الاعلام اجندات محددة ، رغم كل ادعاءاته بالحياد والموضوعية. ويمكن القول كيف يمارس  تضليل القارىء او المتابع  .وسنورد بعض الملاحظات السريعة لكيفية تعاطي بعض وسائل الاعلام السويدية للحدث الافغاني :

أولاً – تجنبت الحديث عن الاحتلال الامريكي لمدة عشرين عاماً ولم تطرح ماذا فعلت هناك؟ ولماذا لم تحقق الحكومات الافغانية المتتالية والمدعومة امريكياً اي خطوات مهما كانت متواضعة على طريق نهضة وتقدم البلاد ؟ .

ثانياً – لم تتطرق الى من  اسس ودعم طالبان ومولها وسلحها ؟ من اين حصلت طالبان على مختلف اصناف الاسلحة بحيث جعلها  تتغلب وبسرعة على الجيش الحكومي ؟

ثالثاً – تتحدث عن طالبان دون اي ذكر طالبان الارهابية أو الجهادية  او المتشددين وانما تسميهم  مقاتلي طالبان؟

رابعاً – لم تشر الى الصفقة التي تمت بين الامريكان وطالبان  وتسليمها السلطة بموجبها ولماذا ؟ تلك الصفقة التي نشرتها العديد من وسائل الاعلام منذ اعوام بعد محادثات مباشرة بين الطرفين في اكثر من مكان  .

خامساً- ثمة ايحاءات متعددة لتبييض صفحة  طالبان  وانها الان غير طالبان الإرهابية المتشددة التي لم يسلم منها حتى الاثار التاريخية ( تمثال بوذا وحرق محتويات الاذاعة والتلفزيون وسواها ) . اذ تتناقل تلك الوسائل  تصريحات بعض قادة طالبان وموقفهم “المتقدم “من حق المرأة مثلا  ( تصريح مضحك لاحدهم من ان طالبان تفكر بالسماح للمرأة الافغانية بالخروج في الشارع لوحدها دون محرم ) .كما تحاول  بعضها تقديمهم كقادة دولة ويتحدثون الانكليزية بطلاقة …

سادساً – بدأت  تتعالى نغمات الوضع  الانساني للشعب الافغاني المسكين  (دون الاشارة لمن سبب مأساتهم ) والحديث عن الاستعداد لملاقاة موجة  لاجئين افغان جديدة .

باختصار وسائل اعلام تسعى الى  تضليل المتابع عبر التركيز عن نتائج الوضع دون الاشارة( اخفاء)  لأسبابه الحقيقة  او للقوى التي ساهمت  وسببت تلك المأساة .

اعلام يضع العربة امام  الحصان ويمارس عملية غسل دماغ جماعية .طبعا لايجوز التعميم. هناك  في السويد وغيرها وسائل اعلام موضوعية وصحفيون نزيهون يقدمون صورة  المأساة الافغانية للقارىء كما هي.

اخيراً أعتقد أن الاسباب الحقيقية لما يجري في افغانستان ستظهر ولكن ربما ليس قريبا،لأن الاجندة كما يتبين واسعة ومعقدة  وتشمل العديد من البلدان والقوى …الاجندات الكبرى لاتظهر دفعة واحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى