إقتصادبيئة

الطاقة المتجددة ومتطلباتها في لبنان:تشريعات قانونية وحوافز حكومية ورعاية تنظيمية(علي برّو ورشاد المقداد)

    بقلم المحامي علي برّو ورشاد المقداد- الحوار نيوز

يعيش لبنان في هذه المرحلة إنهياراً ماليّاً كبيراً يترافق مع جائحة صحيّة ناتجة عن وباء كورونا. دفع هذا الواقع إلى محاولة الحدّ من الآثار القاسية للوضع الإقتصادي من خلال إستكشاف السبل الآيلة إلى جذب العملة الصعبة لتأمين استمراريّة استيراد السّلع الأساسية، لا سيّما المحروقات للقطاعين العام و الخاص.

تتبدّى هنا أهمية الحدّ من الطّلب على المحروقات من خلال الإنتقال نحو الإعتماد أكثر على الطّاقة المتجدّدة لتوليد الكهرباء التي، فضلاً عن أنّها توفّر على البلد إستحقاقات العملة الصّعبة، فإنّها تساهم أيضاً في الحدّ من الآثار البيئيّة السّلبية للوقود الأحفوري، و مع تقدّم التكنولوجيا يوماً بعد يوم تنخفض كلفة الإستثمار فيها.

لطالما أخذ النّقاش حول خطط الإنتقال نحو اعتماد إنتاج الطاقة من المصادر المتجدّدة حيّزاً واسعاً بين راسمي السياسات العامّة وصانعي القرار في الدول والأنظمة المتقدّمة، و لم تخلُ النقاشات من مواقف معارضة لدعم هذا الإنتقال تحت حجج عدة تختلف باختلاف البلد و ظروفه الجغرافية وإمكاناته في مجال الوصول إلى مصادرالوقود الأحفوري من نفط و غاز طبيعي لإنتاج الطاقة بالطرق و التقنيات التقليديّة.

هذه السّجالات على أهميّتها، لا يمكن الرّكون إليها اليوم في لبنان مع ما يعانيه من شح في العملات الأجنبية ينعكس إضطراباً كبيراً في توفير المحروقات لزوم معامل إنتاج الكهرباء ما يؤدي إلى انخفاض في الإنتاج قد يصل إلى العتمة الشاملة، و هذا ما يزيد الإعتماد على المولدات الخاصة الأقل فاعلية و بالتالي يتسارع استنزاف الإحتياط الأجنبي المتبقّي.

تُشير إحصاءات الوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة IRENA للعام 2019 إلى أنّ 586 جيغاوات من القدرة الإنتاجية المركّبة للكهرباء في العالم مصدرها الطاقة الشمسيّة مقارنةً ب 388 جيغاوات عام 2017، أي بارتفاع حوالي 51% خلال سنتين، و 622 جيغاوات مصدرها طاقة الرّياح مقارنةً ب 515 جيغاوات عام 2017، أي بارتفاع حوالي 20.7% خلال سنتين. كما أنّ خارطة الطريق للعام 2050 التي وضعتها الوكالة تؤكّد ضرورة الوصول إلى نسبة 86% من إنتاج الكهرباء في العالم من المصادر المتجددة عام 2050 على أن تُشكّل الكهرباء 49% من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي، بهدف تحقيق ما رمى إليه اتفاق باريس للتغيّر المناخي.

إن دلّت هذه الأرقام على شيء فهي تدل على التوجّه العالمي للإستثمار بالطاقة المتجدّدة و القناعة الراسخة بأنّ الإنتقال نحو إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة هو من أهم وسائل مواجهة الإحتباس الحراري و التلوّث البيئي فضلاً عن فوائده الإقتصاديّة و الماليّة.

هذا الواقع يجب أن يدفع أصحاب القرار في لبنان للتّفكير خارج الصّندوق خلال الأزمة الحاليّة، و العمل على الإنتقال فوراً نحو زيادة الإعتماد على الطاقة المتجدّدة، دون إغفال أنّ دون هذا الإنتقال عوائق عدّة أهمّها:

  1. غياب الإطار القانوني المناسب في ظل تشتت و تعدد التشريعات و في ظل النّقص التشريعي المتعلّق بالطاقة المتجدّدة لا سيما في القانون رقم 462\2002 (تنظيم قطاع الكهرباء).

  2. غياب الجهة التنظيمية و الإدارية التي ترعى تنظيم قطاع الطاقة المتجددة.

  3. غياب آليات حوافز مالية وإقتصادية مناسبة.

و على الرّغم من هذه الملاحظات فقد شهد لبنان في مرحلة ما قبل تشرين الأول 2019 نمواً ملحوظاً لجهة إستخدام الطّاقة الشمسيّة لتسخين المياه من خلال برنامج الدّعم المنفّذ عبر المركز اللّبناني لحفظ الطّاقة في وزارة الطاقة و المياه و من  خلال تعاميم القروض المدعومة من مصرف لبنان.

سنحاول مقاربة هذه الملاحظات مقاربة واقعية عبر طرح بعض الحلول العمليّة التي يُمكن أن تحفّز القطاع الخاص و المجتمع الأهلي على الإستثمار علّه يقلّص الهوّة بين العرض و الطّلب ،و يخفّف من حدة الطّلب على العملة الصعبة نتيجة استحقاقات تأمين المحروقات لمعامل الكهرباء.

و عليه، نرى ضرورة معالجة هذه الملاحظات وفقاً للتالي:

أولاً: لناحية الإطار القانوني:

يحتاج منتجو الطّاقة المستقلّون نصّاً قانونيّاً يمنحهم الشرعية لإنتاج الطاقة كما يحتاجون إلى نصّ لتنظيم وضعهم و ترخيص ربطهم بالشبكة العامة و تحديد الشكل القانوني للربط و الإطار الناظم لعلاقتهم مع الزبائن، و هنا لا بد من إدخال تعديلات على قانون تنظيم قطاع الكهرباء لجهة إجازة الإنتاج و السماح باستعمال شبكات التوتر المنخفض و المتوسط و العالي و اعتماد مبدأ التعداد الصافي على نطاق أوسع و تأجير معدّات الطاقة المتجدّدة مع جواز تبادل الطّاقة بين الأقران (Peer to Peer).

ثانياً: غياب الجهة التنظيمية و الإدارية التي ترعى تنظيم قطاع الطاقة المتجددة.

في ظل التوجه العام لاعتماد مقاربة الهيئة الناظمة للكهرباء، تتّضح ضرورة تعديل القانون رقم 462\2002 لجهة زيادة صلاحيات الهيئة من ناحية تحديد التعرفة و تحديد قواعد تبادل الطاقة بين الأقران، و تفويضها إنشاء سجل لإنتاج الطاقة المتجددة و تلقّي الداتا المتصلة بأنظمة إنتاج الطّاقة من المصادر المتجددة و إنشاء مرصد الطّاقة المتجدّدة مع النّماذج المطلوبة للعمليّات المتّصلة بالإنتاج، كما ينبغي تعزيز قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على التعاطي مع منتجي الكهرباء من المصادر المتجدّدة لناحية تحديد الوحدة الإداريّة المعنيّة أو استحداث وحدات جديدة و تمكينها لتتولى خدمات العبور و خدمات التخزين مع الإجراءات و الضّوابط الفنيّة المتّصلة بالرّبط على الشّبكة و أولوياته.

 ثالثاً: غياب آلية حوافز وطنية لمشاريع الطاقة المتجددة:

إنّ سنّ القوانين و وضع الأطر التشريعيّة بهدف تنظيم قطاع الطاقة المتجدّدة في لبنان ضروري و لكن غير كافٍ لدفع النّاس إلى اعتماد إنتاج الطاقة من مصادرها المتجدّدة ما لم يكن هناك ما يحفّزهم، و مع تأثر سوق التمويل بشكل كبير بالتزامن مع الوضع المالي في لبنان و انعكاس ذلك على إمكانية الحصول على قروض مدعومة أو أخرى بحوافز، و في ظل غياب أي تصوّر حكومي حول دعم هذا القطاع ماليّاً، يبقى خيار التخفيضات و الإعفاءات الضريبية خياراً ماثلاً يمكن الإستفادة منه، و هو ما ورد في المرسوم رقم 167\2017 (تحديد دقائق تطبيق المادة 20 من قانون حماية البيئة)، و ما ينقص لسريان هذا المرسوم هي القرارات التطبيقية التي تتطلّب تعاوناً بين وزارة المال و وزارة البيئة. يحدد هذا المرسوم منظومة من التخفيضات الضريبية لحدود التسع سنوات للجهات التي تمارس صناعة بيئية بحيث يأتي إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة في سياق الصناعة البيئية و كذلك يستفيد من تخفيض الرسوم الجمركية على السلع المفيدة للبيئة و من ضمنها التجهيزات المعدة لإنتاج الكهرباء بواسطة الطاقة الشمسية أو الهوائيّة.

و لكن كيف يُمكن استيراد هذه السلع و المعدات لزوم إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة في ظل إنهيار سعر الصرف و شحّ الدولار؟

 في دراسة أعدها المركز اللبناني لحفظ الطاقة، تبيّن أنّ دعم إستيراد الألواح الشمسيّة و لوازمها للأفراد و لمشاريع القطاع الخاص بثلاثة ملايين دولار شهريّاً لمدة إثني عشرة شهراً أي بكلفة إجماليّة تبلغ 36 مليون دولار أميركي، يؤدّي إلى إنتاج حوالي 53381 ميغاوات ساعة من الكهرباء النظيفة، و بالتالي توفير 61388 ميغاوات ساعة من إنتاج معامل مؤسسة كهرباء لبنان بعد 12 شهراً بناءً على هدر فني على الشبكة يبلغ 15%، و بالتالي توفير حوالي 12093 طن من المحروقات اذا اعتمدنا 197 كلغ\ميغاوات ساعة كمعدل وسطي لاستهلاك الوقود في المعامل. ماذا لو اعتمدنا على هذه المحاكاة لوضع خطة دعم للطاقة الشمسيّة تمتد على فترة خمس سنوات بكلفة 180 مليون دولار و نظرنا إلى النتائج في نهاية السنة السادسة، سنجد أنه تم توفير 2007 جيغاوات ساعة من إنتاج معامل مؤسسة كهرباء لبنان أي توفير 395355 طن من المحروقات، و ستكون قيمة الوفر بالدولار الأميركي أعلى من قيمة المبلغ المُستخدم للدعم، ناهيك عن التقليل من الإنبعاثات الملوّثة و أثرها على البيئة و صحة المواطنين.

لا شكّ أنّ دعم مصرف لبنان لهكذا خطة ضمن آليات ضبط و توجيه بهدف التأكّد من تحقيقها للأهداف المرسومة سيكون أجدى بكثير من دعم استيراد الكاجو و الكابوتشينو.

في الختام، تجدر الإشارة إلى أنّ العديد من الدول اعتمدت حزمة من المحفّزات للتشجيع على الإعتماد على الطاقة من مصادرها المتجددة، كالقروض الميسّرة و استثناء مشاريع الطاقة المتجددة من بعض الأحكام النافذة أو من خلال شراء الطاقة المنتجة من هذه المشاريع بأسعار تفضيليّة، كما أنّ البعض ذهب نحو إرغام من يرغب ببناء منزل على أن يؤمّن نسبة معيّنة من حاجة المنزل للكهرباء من المصادر المتجددة كما فعلت حكومة ولاية كاليفورنيا عام 2018 على أن يسري القرار إبتداءً من عام 2020. يُمكن للبنان أن يستفيد من إيجابيّات هذه التجارب و يتجنّب سيّئاتها، و يتبنّى ما يتناسب مع واقعه و بنيته التحتيّة، و بالتالي تحقيق زيادة نسبة الطاقة المنتجة من المصادر المتجددة من مجمل الطاقة المنتجة في لبنان تدريجيّاً و تخفيف الإعتماد على استيراد الوقود الأحفوري الذي نسدّد ثمنه بالدولار الأميركي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى