السلطة اللبنانية تشرعن الاحتلال الصهيوني (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
تتجاوز دلالات ما يشهده الواقع السياسي اللبناني في الآونة الأخيرة التوصيفات التقليدية للعمل الدبلوماسي أو التكتيكات التفاوضية، لتغدو في جوهرها عملية إعادة هندسة لموقع لبنان في الصراع الإقليمي، وهي عملية يراها قطاع عريض من النخب الوطنية والقوى الشعبية بمثابة تقويض متعمد للسيادة وتفريط غير مسبوق بتضحيات بيئة المقاومة التي تحملت وطأة الحرب وويلات الدمار. ويُعد الانخراط في إطار اتفاق برعاية أمريكية، في هذا التوقيت وبالشروط المعلنة، تبنياً رسمياً لأجندة تتقاطع مصالحها بشكل خطير مع أهداف الكيان الإسرائيلي، ما يطرح تساؤلات وجودية عن جدوى السلطة التي تقايض الأرض بوعود دولية هشة لا تملك أدنى مقومات التنفيذ على الأرض.
يبرز جوهر الخطورة في هذا المسار عبر تغييب الإجماع الوطني عن قرار مصيري يمس أمن الجنوب وكرامة أهله، حيث تم القفز فوق الأصول الدستورية وتجاوز التوافق الوطني، وكأن السلطة في حالة سباق مع الزمن لتفكيك عناصر القوة اللبنانية وتقديمها كقرابين على مذبح التهدئة مع تل أبيب.
وبدلاً من أن يكون الموقف الرسمي سداً منيعاً أمام الأطماع الإسرائيلية ومحاولة لفرض شروط تضمن عودة النازحين وتكرس حق اللبنانيين في ديارهم، نجد أن السردية الرسمية تتبنى منطقاً انصياعياً، حيث يزعم البيان المروج له أن حكومتي إسرائيل ولبنان اتخذتا قراراً جريئاً بالموافقة على إطار عمل يُرسم مساراً واقعياً للخروج من الصراع، زاعماً أنه يُرسي عملية واضحة ومنظمة لاستعادة سيادة لبنان، ونزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية الإرهابية، وتمكين إسرائيل من العودة إلى حدودها بمجرد زوال هذا التهديد، كما يُنشئ الاتفاق مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية الأطراف للبنان بتيسير من الولايات المتحدة، ما يسمح للطرفين بتنفيذ هذا الإطار.
إن هذا الخطاب التبريري يتقاطع تماماً مع التصريحات الإسرائيلية التي لا تترك مجالاً للشك، إذ أن هذا البيان لا يتعارض مع ما قاله نتنياهو بوضوح: أن إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، وأن لبنان وإسرائيل قطعا الطريق على إيران التي كانت تريد أن تفرض على إسرائيل انسحاباً بالقوة، مؤكداً أن إسرائيل لن تسمح بعودة السكان اللبنانيين أو حزب الله إلى منطقة الحزام الأمني الواقعة تحت سيطرتها.
توهمت السلطة اللبنانية، عبر بياناتها المتفائلة، أن هذا الاتفاق هو طوق النجاة المالي والسياسي، متجاهلة أن نتنياهو نفسه يراه انتصاراً استراتيجياً ينهي معضلة عودة المستوطنين ويمنحه حرية العمل الميداني في الجنوب، فكيف يمكن تفسير هذا التماهي الرسمي مع مطالب الاحتلال إلا كعملية بيع موصوفة للجنوب؟ عودة أكثر من مئتي ألف نازح باتت مرهونة بموافقة إسرائيلية، وهو ما ينسف كل شعارات السيادة التي ترفعها بعبدا والسراي الحكومي، ويجعل من لبنان في نظر المراقبين طرفاً متواطئاً في شرعنة واقع الاحتلال الممنهج الذي يمارس تدمير القرى ومحو الهوية العمرانية للجنوب.
يولد هذا الاتفاق ميتاً، ليس فقط لكونه يفتقر إلى الشرعية الشعبية أو التوافق الوطني، بل لأنه يصطدم بواقع صلب لا تعترف به الحسابات الدبلوماسية المكاتبية، وهو واقع القوة التي فرضتها التضحيات الميدانية على مدار عقود. فمحاولات تحويل مسار المواجهة من صراع وجودي مع الاحتلال إلى توتر داخلي بين المؤسسة العسكرية والمقاومة هي استراتيجية مفلسة لن تنتج سوى المزيد من الانقسام وتعميق الشرخ الوطني. وما يثير الريبة أكثر هو الصمت المطبق حيال التطورات الإقليمية، فبينما يشتعل مضيق هرمز وتتصاعد وتيرة التحدي الإيراني للمنظومة الأمريكية، يختار البعض في الداخل اللبناني الرهان على سراب التسويات الأمريكية، غافلين عن أن المتغيرات الدولية الكبرى لن تعبأ بضعف أطراف لم تكن يوماً شريكاً في القرار المستقل.
تستوجب اللحظة التاريخية الراهنة وقفة وطنية مسؤولة توقف هذا الانزلاق نحو هاوية الهاوية، فالحفاظ على ما تبقى من سيادة يبدأ برفض الاملاءات التي تكرس الاحتلال، وتجاوز العقلية التي لا ترى في الجنوب سوى عبء أو ورقة تفاوضية. الجنوب ليس مجرد جغرافيا أو ملفات أمنية، بل هو قلب المعادلة اللبنانية، وأي تفريط فيه هو تفريط بالوطن بأكمله، فالتاريخ لن يرحم من ساهم في جعل قرار التحرير مادة للمساومة على حساب دماء الشهداء وأنين النازحين.



