إقتصادمال وموازنة

الحساب الختامي وقطع الحساب عمليتان متكاملتان لضبط النفقات والواردات والمقارنة بينهما(د.عادل مشموشي)

 

بقلم العميد المتقاعد د.عادل مشموشي

تُشكِّلُ الرَّقابَةُ البَرلُمانِيَّةُ على السُّلطَةِ التَّنفيذيَّةِ أحدَ أوجُهِ المُمارَساتِ الدِّيمقراطِيَّةِ التي من شأنها أن تَحِدَّ من جُنوحِ السُّلطَةِ التَّنفيذِيَّة، ويندرِجُ من ضمن ذلك الرَّقابَةُ الماليَّةُ المُتمثِّلةُ في إقرارِ مَجلِسِ النُّوابِ للمُوازنَةِ قَبلَ وَضعِها موضِعِ التَّنفيذ، ومن ثمَّ يلي ذلك تدقيقُ المجلسِ في الحِسابِ الختامي وإقرارُهُ لإجراءِ عَمليَّةِ قَطعِ حِسابٍ عن سَنةٍ مالِيَّةٍ كامِلَة.

كثُرَ الحَديث في السَّنواتِ الأَخيرةِ في لبنان وعلى كافَّةِ المُستوياتِ الحُكوميَّةِ وغير الحُكوميَّةِ عن الحِسابِ الخِتامي وقَطعِ الحِساب، نتيجةَ تخلُّفِ السُّلطتينِ التَّنفيذيَّةِ والتَّشريعيَّةِ، (الأولى باعتبارِها السُّلطةَ التي تتولى أعمالَ جِبايَةِ وصَرفِ الأموالِ العامَّة، أما الثانيَةُ باعتبارِها سُلطَةً رَقابيَّةً على أعمالِ الأولى)، عن القِيامِ بواجِباتِهِا في ما خَصَّ التَّدقيقِ بالمُوازَناتِ السَّنويَّةِ والتَّحقُّقِ من مدى الإلتِزامِ ببُنودِ المُوازَنَةِ، والصَّرفِ وفقَ الأصولِ والبنودِ المُحدَّدَةِ لكُلِّ وَجهٍ من أوجُهِ الصَّرف. ما هو إذن كُلٌّ من الحِسابِ الخِتامي وقَطعِ الحِسابِ؟ وما دورَهُما في ضَبطِ وتَرشيدِ الصَّرفِ؟ وهل كان بالإمكانِ تَلافي أو توقِّي تَفلُّتِ الدَّين العامِ ووصولِهِ إلى ما وصَلَ إليه فيما لو تَقيَّدَت السُّلطاتُ اللُّبنانِيَّةُ في إجرائهِما وَفقَ الأُصولِ وفي الأوقاتِ المُحدَّدَة دُستوريَّاً وقانونِيَّا؟ خاصَّةً وأن النَّصَّ الدُّستوري يوجِبُ أن تكون جميع عمليَّاتِ الصَّرفِ من ضمن البنودِ الملحوظةِ في المُوازَنَة، كما يُحَرِّمُ نَقلِ الاعتِماداتِ من بابٍ إلى آخر، وأن أيَّ صَرفٍ غيرِ واردٍ فيها أو خارِجَ إطارِ الاعتِماداتِ المَرصودَةِ يكون باطلاً ويوجِبُ أن يَحصلَ ذلك بمُقتَضى قانون.

أرادَ المُشرِّعُ بإيلاءِ السُّلطَةِ التَّشريعيَّةِ صلاحيَةَ إجراء قَطعِ الحِسابِ تمكينَ مَجلِسِ النُّوابِ من التَّحقُّقِ من أن الجِهَة الإدارِيَّةَ قد التَزَمَت في عَملِيَّاتِ الإنفاق، أي صَرفِ الأموالِ المُرصَدَةِ بمَضمونِ بنودِ المُوازَنَة، ومَنعاً من المُبالغةِ في فَتحِ اعتِماداتٍ إضافِيَّةِ بعدَ إقرارِ المُوازَنَةِ وإصدارِها، كي لا تُصبِحَ المُوازَنَةُ صُوَرِيَّةِ جرَّاءَ تَخفيضِ الحُكومَةِ للإعتِماداتِ المُدرَجَةِ فيها، والإلتِفافِ على مبدأ التَّوازُنِ ما بين الإيراداتِ والصَّرفِيَّاتِ  باللُّجوءِ إلى فَتحِ اعتِماداتٍ إضافِيَّةٍ بعد إقرارِ المُوازَنَةِ، وإن كانت تُقَرُّ بموجَبِ قوانين مُكمِّلةٍ لقانونِ المُوازَنَة، تَسري عليها ما يَسري على قانونِ المُوازَنَةِ من أحكام.

لقد أوجَب المُشرِّعُ في المادَّة 83 من الدُّستور على الحُكومَةِ أن تُقدِّم لمَجلِسِ النُّوابِ  في بَدءِ عَقدِهِ الثاني (تشرين الثاني)، موازَنَةً شامِلَةً تَضمنُ نَفقاتِها ودَخلَها عن السَّنَةِ القادِمَة، كما أوجَبَ أن يُصارَ إلى التَّصويتِ عليها بندأً بندا. وحَرَّمَ على المُشرِّعِ خِلالَ مُناقَشَتِها أن يَزيدَ من قِيمَةِ الاعتِماداتِ المُقتَرَحَةِ في مَتنِها، وإن كان قد أجازَ له اقتِراحَ قوانينَ من شأنِها إحداثَ نَفقاتٍ جَديدَة.

والموازنةُ كما حَدَّدَتها المادَّةُ الثالِثَةُ من قانونِ المُوازَنَةِ العُمومِيَّةِ هي كِنايَةٌ عن صَكٍّ تُقدَّرُ فيه الوارِداتُ والنَّفقاتُ لفَترَةٍ من الزَّمنِ (توضَعُ المُوازَنَةُ لسَنةٍ مالِيَّةٍ تَبدأ في أوَّلِ كانون الثاني وتَنتَهي في 31 كانون الأوَّلِ من السَّنَةِ ذاتِها)،

 

أوجَبَ المُشرِّعُ بموجَبِ المادَّة 11 من قانون المُوازَنَةِ العُمومِيَّةِ على السُّلطَةِ التَّنفيذِيَّةِ أن تَعرُضَ مَشروعَ مُوازَنَةِ السَّنَةِ القادِمَةِ على مَجلِسِ النوَّابِ قَبلَ شَهرٍ تِشرين الأوَّلِ من السَّنةِ السَّابِقَة، وذلك بموجَبِ مَرسومٍ يُبنى على اقتِراحِ رَئيسِ مَجلِسِ الوزراءِ ويوقِّعُهُ كافَّةُ الوزاء.

منعَ المُشرِّعُ على السُّلطةِ التَّنفيذيَّةِ أو أي من إداراتِ الدَّولةِ عَقدُ أيَّةِ نَفَقَةٍ أو تَصفِيَتُها أو صَرفُها أو دَفعُها ما لم يُرصَد لها اعتِمادٌ خاصٌّ بها في المُوازَنَة، وذلك عَمَلاً بنَصِّ المادَّةِ 97 من (ق م ع)، ولكنَّهُ في المقابلِ وخِشيَةَ أن تُعيقَ السُّلطَةُ التَّشريعِيَّةُ عَملَ السُّلطَةِ التَّنفيذِيَّةِ أجازَ المُشرِّعُ بموجَبِ المادَّة 86 من الدُّستورِ لرَئيسِ الجُمهورِيَّةِ بالاتِّفاقِ مع رَئيسِ الحُكومَةِ دَعوَةَ مَجلِسِ النُّوابِ فوراً لعَقدٍ استِثنائي يَستَمِرُّ لغايَةِ نِهايَةِ كانون الثاني لمُتابَعَةِ دَرسِ المُوازَنَة، وإن انتَهى العَقدُ الاستِثنائيُّ من دونِ إقرارِ المَجلِسِ للمُوازَنَة، فأجازَ إصدارَها بموجَبِ مَرسومٍ يَصدُرُ عن رَئيسِ مَجلِسِ الوزراءِ استِناداً لقَرارٍ من مَجلِسِ الوزراءِ يَقضي بجَعلِ مَشروعِ المُوازَنَةِ بالشَّكلِ الذي أُحيلَ فيه إلى مَجلِسِ النُّوابِ مَعمولاً به، ولكن المُشرِّعَ اشتَرطَ أن يكونَ مَشروعُ المُوازَنَةِ قد أُحيلَ إلى مَجلِسِ النُّوابِ قَبلَ بدايَةِ عَقدِهِ بخَمسَةِ عَشَرِ يوماً على الأقل.

أوجَبَ المُشرِّعُ بموجَبِ المادَّةِ 87 من الدُّستورِ أن تُعرَضَ حِساباتُ الإدارَةِ المالِيَّةِ لكُلِّ سَنةٍ على مَجلِسِ النُّوابِ قَبلَ نَشرِ مُوازَنَةِ السَّنةِ التالِيَةِ للسَّنَةِ موضوعِ المُوازَنَةِ الخاصَّةِ بالحِساباتِ المُحالَةِ إلى المَجلِس. وقد أوكَلَ عَمليَّةَ إعدادِ قَطعِ حِسابِ الدَّورَةِ المالِيَّةِ بموجَبِ المادَّة 275 من (ق م ع) أي ما يُعرفُ بالحِسابِ الختمامي إلى مَصلَحَةِ الموازَنَةِ في وِزارَةِ المالِيَّة، على أن تُضَمِّنُهُ بالاضافَةِ الى المَعلوماتِ الوارِدَةِ في جَدولِ الخَزينَةِ الاجمالي العام: الاعتماداتِ غيرِ المَعقودَةِ الواجِبِ الغاؤها،  الاعتِماداتُ المَعقودَةُ غيرِ المُصفَّاةِ الواجِبِ تدويرُها الى السَّنَةِ التَّاليَة، رَصيدُ حِسابِ الاحتياطِ العام في الدَّورَةِ المالِيَّةِ السَّابِقَة، حَركَةُ حِسابِ الاحتياطِ العامِّ وِجهَةُ استِعمالِ الأموال، الوَفرَ او العَجزَ الواقِعِ على المُوازَنَة، رَصيدُ حِسابِ الاحتياطِ العامِ بتاريخِ اختِتامِ الدَّورَةِ المالِيَّة.

تبدأ عمليَّةُ إعدادِ الحِسابِ الخِتامي للدَّولةِ بمُذكَّرَةٍ إيضاحِيَّةٍ يُبيَّنُ فيها ما تقديرُ الإيراداتِ وما حُصِّلَ منها فغليّاً، وما تقديرُ المَصروفاتِ والمبالِغِ الفِعلِيَّةِ التي تَمَّ إنفاقُها، ثم النَّتيجَةَ النِّهائيَّةَ للحِسابِ الخِتامي، وكَيفِيَّةِ تَسويَةِ العَجزِ أو الفائضِ، وغالبَاً ما يَتِمُّ ذلك عن طَريقِ الاحتياطي العام . ويَتبَعُ ذلك كَشفٌ تَفصيليٌّ بخُصوصِ مُفرَداتِ إيراداتِ ومَصروفاتِ الموازَنَة .

وحتى يَسهُلُ التَّحقُّقُ من تَوازُنِ الحِسابِ الخِتامي لكُلِّ وِزارَةٍ أو مَصلَحَةٍ فإنَّهُ من الأفضَلِ لشِعبَةِ الحِساباتِ الخِتامِيَّةِ في وزارَةِ المالِيَّةِ إعدادِ التَّقريرِ النِّهائي الذي يَتعيَّنُ إرفاقُهُ بالحِسابِ الخِتامي العام للدَّولَة.

وبعدَ الانتِهاءِ من إعدادِ مُلخَّصاتِ الحِساباتِ الخِتامِيَّةِ لجَميعِ الوِزاراتِ والمَصالِحِ يُصارُ إلى تَجميعِها في مُلَخَّصٍ واحِدٍ يُمثِّلُ جَميعَ الوزاراتِ والمَصالِح.

وتقومُ وزارَةُ المالِيَّةِ بعد الانتِهاءِ من إعدادِ الحِسابِ الخِتمامي والتَّقريرِ النِّهائي بما في ذلك الجَداوِلَ المُرفَقَةَ برَفعِ الحِسابِ الخِتامي إلى مَجلِسِ الوزراءِ في مَوعِدٍ لا يَتعدَّى الشَّهر الرابِعِ من السَّنَةِ التالِيَةِ، كما تُرسَلُ نَسخةٌ منه إلى ديوانِ المُحاسَبَةِ ليَتسنى له تَقديمَ تقريرٍ مفصَّلٍ عنه.وعليه نرى أن الحِسابَ الخِتاميَّ للدَّولة هو بمثابةِ تقريرٌ سَنوي يَعكِسُ عَمليَّاتِ تَنفيذِ المُوازَنَةِ العامَّة وفقا لما تَقضي به اللوائحُ والأنظِمَةُ والتَّعليماتِ المالِيَّة. ويَظهَرُ من خِلالِ الجداولِ المرفقةِ به ما تمَّ جمعهُ من إيراداتٍ للدَّولَةِ، وما تمَّ دفعهُ من نفقاتِ مقابلَ التِزامات الدَّولة، فإذا كان الفَرقُ بين إيراداتِ الدَّولَةِ ونفقاتِها موجِبا تكونُ الدَّولَةُ قد حَقَّقَت وَفراً (زيادَةً في الأُصول) ويَكون عند ذلك رَصيدُ الحِسابِ الخِتامي دائناً، وعلى العَكسِ تَكونُ الدَّولَةُ قد حَقَّقَت عَجزاً أي نَقصا في الأُصولِ إذا كان الفَرقُ بين الإيراداتِ والمَصروفاتِ سالِباً وبذلك يكونُ رَصيدُ الحِسابِ الخِتامي مَديناً.

ونَستخلِصُ من ذلكَ أن الحِسابَ الخِتاميَّ كنايَةٌ عن حِسابٍ يَتضمَّنُ كافة المَبالِغَ التي صُرِفَت فِعلِيَّاً والإيراداتُ التي حُصِّلَت فِعليَّاً عن السَّنةِ المالِيَّةِ المُنتَهِيَة، وما يَترتَّبُ عليهِما من فائِضٍ أو عَجزٍ مالي. ويُعدُّ أحَدُ القوائمِ المالِيَّةِ الهامَّةِ التي تَقومُ الحُكومَةُ بإعدادِها.

وتُعَدُّ الحِساباتُ الخِتامِيَّةُ وَفقاً لمَبادِئ المُحاسَبَةِ المُتعارَفِ عليها، نذكرُ منها: مبدأ الاستمرارية، مبدأ تحقيقِ الرِّبحِ، مَبدأ الحِيطَةِ والحَذر، التَّقويمُ وِفقاً لمَبدأ التَّكلِفَةِ التِّاريخِيَّةِ، ويُطلَقُ عليه حِسابٌ خِتاميٌّ لأنهُ يُبيِّنُ النّتيجَةَ النِّهائيَّةَ أو الخِتامِيَّةَ للدَّولَةِ أو المُنشَأة، أو لأنَّهُ يُقفِلُ في نِهايَةِ العام (السَّنَةَ المالِيَّة)، أو لهذين السَّببينِ مَعاً.

وقد ينكشفُ بنتيجةِ  الحِسابُ الخِتامي أحد أو بعض الأمور التاليَة:

1 ـ عَدَمُ مُطابَقَةِ أرقامِ الحِساباتِ لبَعضِ الوِزاراتِ بما هو واردٌ في دفاتِرِ وزارَةِ المالِيَّة.

2 ـ  عدمُ مُطابَقَةِ حِساباتِ وتَسوِيَةِ المُستَحِقَّاتِ العامَّةِ بين بَعضِ الوِزارات.

3 ـ  تَضَخُّمٌ في حِساباتِ العهدِ والأماناتِ وعَدَمِ تَصفيتِها أولاً بأول.

4 ـ  ارتباكٌ في حِساباتِ السِّلفِ المُستدامَةِ في بعضِ الوزاراتِ نتيجَةً لعَدَمِ اتِّباعِ النِّظامِ المَحاسِبي.

5 ـ ضَعفٌ في المُستوى الفَنِّي للعامِلينَ في الشُّؤونِ المالِيَّةِ بالوزاراتِ والمصالح.

6 ـ تأخرُ مؤسَّسَةِ النَّقدِ ووزارَةِ المالِيَّةِ في إرسالِ الإشعارات.

7 ـ ضَغطٌ في العَملِ على المُمثِّلينَ المالِيينَ نتيجَةً للنَّقصِ الشَّديدِ في عَددِ المُوظَّفينَ المُكلَّفينَ بإعدادِ الحِسابِ الخِتامي كما في الوِزاراتِ المَعنِيَّة.

كما يُسهِّلُ الحسابُ الختامي للمعنيين في الدَّولةِ الأُمورِ التاليَة:

1 ـ تَقييمُ انجازاتِ الحُكومَةِ وبيان مَدى تَحقيقِ أهدافِها.

2 ـ  إظهارُ المَركزِ المالي للدَّولَةِ وما تَحَقَّقَ من فائضٍ أو عَجزٍ نَقدي.

3 ـ يُحقِّقُ إحكامُ الرَّقابَةِ على تَنفيذِ الموازنَةِ العامَّةِ للدَّولَة.

4 ـ  التَّعرُّفُ على التَّجاوزاتِ التي تَمَّت على المُخصَّصات.

تمَّةَ علاقة وطيدةٌ ما بين المُوازَنَةِ العامَّةِ والحِسابِ الخِتامي على الرَّغمِ من اختلافِ مدلولاتِ كُلٍّ منهما، بحيث تُعتبرُ المُوازَنَةُ بمَثابَةِ البَرنامَجِ أو الخِطَّةِ السَّنويَّةِ للدَّولةِ عن سَنةٍ مالِيَّةٍ مُقبِلَةٍ تَتَضَمَّنُ الإيراداتِ المُقدَّرَةِ المًنتَظَرِ تَحصيلُها وكذلك النَّفقاتُ المُقدَّرَةُ المُرَخَّصِ بالصَّرفِ في حُدودِها من أجلِ تَحقيقِ أهدافِ هذه الخِطَّة، في المُقابِلِ يُعَبِّرُ الحِسابُ الخِتامي عن الإيراداتِ الفِعلِيَّةِ والنَّفقاتِ الفِعلِيَّةِ للدَّولَةِ عن السَّنَةِ المُنصَرِمَة. أي بَيانُ حِساباتِ المُوازَنَة ونتيجَةِ تَنفيذِها عن السَّنَةِ المالِيَّةِ المَعنِيَّةِ وَفقَ الأُسُسِ والمَعاييرِ المُعتَمَدَة.

ويترتَّبُ على ضوءِ الاختلافِ في المَدلولاتِ أوجه الاختلافِ التاليَة:

1 ـ أرقامُ مُوازنةِ الدَّولَةِ هي أرقامٌ تَقديريَّةُ أما أرقامُ الحِسابِ الخِتامي فهي أرقامٌ فِعلِيَّةُ.

2 ـ يَتِمُّ إعدادُ المُوازَنَةِ العامَّةِ عن سَنَةٍ مالِيَّةٍ قادِمَةٍ في حين أن إعدادَ الحِسابِ الخِتامي عن سَنَةٍ مالِيَّةٍ مُنصَرِمَة.

3 ـ  يَتِمُّ إصدارُ المُوازَنَةِ العامَّةِ بموجَبِ قانونٍ في حين لا يَتطلَّبُ إصدارُ الحِسابِ الخِتامي ذلك، بينما قطُ الحِسابِ يتمُّ بموجب قانون.

ومُقابلِ الاختِلافِ في المَدلولاتِ فإنَّهُ تَجمَعُ بينهُما أوجُهُ شَبَهٍ عدَّة نذكرُ منها:

1 ـ يَتِمُّ إعدادُ الحِسابٍ الخِتامي والمُوازَنَةِ العامَّةِ عن سَنةٍ مالِيَّةٍ تبدأ في 1/1 وتنتهي في 31/12 من ذاتِ السَّنة.

2 ـ  يَتِمُّ إعدادُ كُلٍّ منهما من قِبَلِ وزارَةِ المالِيَّةِ باعتِبارِها السُّلطَةِ المَركَزِيَّة.

3 ـ  يَتِمُّ عرضُ كُلٍّ منهُما على السَّلطَةِ التَّشريعِيَّةِ لأغراضِ الرَّقابَةِ وتَقييمِ أداءِ السُّلطَةِ التَّنفيذيَّة.

4 ـ يَتِمُّ استِخدامُ تَصنيفٍ مُوحَّدٍ للحِساباتِ لكُلٍّ من حِساباتِ الحِسابِ الخِتامي وحِساباتِ المُوازَنَةِ العام.

يُعتبرُ قَطعٌ الحِسابِ من أكثرِ المُصطَلَحاتِ المالِيَّةِ تَداولاً خلال الثلاث سنوات الماضيَةِ في لبنان، ولكنه ويا للأسَفِ كان خِلالَ العَقدين الأَخيرينِ الغائبُ أو المُغيَّبُ عن حِساباتِ الدَّولَةِ المالِيَّة.

يُعني بِقَطعِ الحِسابِ إقرارُ مَجلِسِ النُّوابِ لما هو واردٌ في الحِسابِ الخِتامي من قبلِ مجلسِ النُّوابِ بموجبِ قانونٍ يصدرُ وفقاً للأصول، ويُعبِّرُ قَطعُ الحِسابِ عن المُوازَنَةِ الفِعلِيَّةِ للدَّولةِ أي النَّفقاتِ الحُكومِيَّةِ التي تَمَّ انفاقُها خِلالَ السَّنَةِ المالِيَّةِ مُقابِلَ وارِداتِ المُوازَنَةِ التي تَمَّ تَحصيلُها. وبالتالي هو عَمليَّةُ مُقارَنَةٍ رَقمِيَّةٍ ما بين النَّفقاتِ والوارِداتِ الفِعلِيَّةِ خِلالَ السَّنَةِ المالِيَّة، وليسَ كما هو مًدرَجٌ في قانونِ المُوازَنَة. والفَرقُ بين الوارِداتِ والنَّفقاتِ إما يَكونَ عَجزاً إذا كانت النَّفقاتُ أكثَرُ من الوارِداتِ، وإما يكونُ وَفرةً إذا كانت الوارِداتُ اكثَر .

فأوجَبَت المادَّة 276  من (ق م ع) أن تُقطَعَ حِساباتُ المُوازَنَةِ بقانونٍ خاصٍّ تَضُمُّ إليهِ جَداوِلَ الوارداتِ والنَّفقاتِ المُختَصَّةِ بالدَّورَةِ المالِيَّة، أما المادَّةُ 279 فقد أوجَبَت أن تُلغى بموجَبِ قانونِ قَطعِ الحِسابِ الاعتِماداتُ الباقِيَةُ بدونِ استِعمالِ بمُجرَّدِ اختِتامِ السَّنَةِ المالِيَّة. وعليهِ فإنَّهُ فقَاً لروحِيَّةِ الدُّستورِ كما قانون النَّقدِ والتَّسليفِ ينبغي على الحُكوماتِ المُتعاقِبَةِ إعدادِ الحِسابٍ الختامي في نهاية كل سنة ماليَّة، وإحالته إلى المَجلِسِ النِّيابي لمُناقَشَتِه، والتَّحقُّقِ من الأرقامِ الوارِدَةِ فيه، والعمل على إقرارِ قَطعِ الحِساب الخاصِّ بالموازنة السَّنويَّة وفقاً للأصولِ المُعتمدةِ في إقرارِ القوانين، وبإقرارهِ يصبحُ بمثابَةِ مُوافَقَةِ مِجلس النواب على أعمال الجبايَةِ والصَّرفِ التي قامَت بهما الحُكومَةُ خِلالَ السَّنَةِ المالِيَّةِ المُنصَرِمَة.

تكمُنُ أهمِّيَةُ قَطعِ الحِسابِ في أنَّهُ يَتِمُّ بموجَبِ نَصٍّ دُستوريٍّ مَنصوصٍ عليه في المادَّةِ 87 من الدُّستور، وهو يُؤكِّدُ أن الحُكومَةَ التَزَمَت الرُّخصَةَ أو الاجازَةَ التي أعطاها إيَّاها مَجلِسُ النُّوَّابِ للإنفاقِ، ولم تَتَجاوَزَ الاعتِماداتُ المَنصوصِ عليها في القانون، والتي أجازَ مَجلِسُ النُّوابِ صَرفَها. وبالتالي هي عَمَلٌ رِقابي بالِغِ الأهمِّيَّةِ كونَهُ يُمكِّنُ السُّلطَةَ التَّشريعِيَّةَ من حُسنِ استِخدامِ الحُكومَةِ للأموالِ العُمومِيَّةِ من قِبَلِ السُّلطَةِ التَّنفيذِيَّةِ خِلالَ سَنةٍ مالِيَّةٍ كامِلَة.

كما يترتَّبُ على إقرارِ قَطعِ الحِسابِ وفقَ ما نَصَّت عليه المادَّةُ 281 من (ق م ع)، أن يُصارَ إلى تَحويلُ الزِّيادَةِ في الوارِداتِ إلى الاحتياطِ العام، أما الزِّيادَةُ في النَّفقاتِ فَقَد أوجَبَت أن يُصارَ إلى تَغطِيَةِ قيمَتِها من مالِ الاحتِياطِ العام إذا كان يَكفي لتَغطِيَتِها، وإلاَّ يًصارُ إلى قيدِها في حِسابِ السِّلفات، على أن يُسدَّدَ إجبِارِيَّاً في أوَّلِ مُوازَنَةٍ تالِيَةٍ يَظهَرُ فيها وَفر، وإن لم يَكفِ فَمِن وَفرِ السَّنواتِ التالِيَة.

للأسفِ آخر قطع حساب أجري في الدولة اللبنانيَّة كان عام 2003،  وقد وافق عليه مجلس النواب مع انه كان هناك عيوب وشوائب ولكن المجلس لم يدقق به واقره على عيوبه. علماأ أنه ما بين عامي 2004 و 2008 قُدمت حسابات الى ديوان المحاسبة ويعتقد أنها غير صحيحة، ولم يتم التدقيق فيها، كما لم قدَّو بقية الحسابات لغاية اليوم. مع العلم أن وزارة الماليَّة كانت قد وعدت أكثر من مرَّة بتقديم الحسابات (الحسابات الختامية لكل موازمة من الموازنات السنوية) التي انتهت من إنجازها، وإن التدقيق في مدى صحتها والأرقام الواردتها فيها تعتبر مسألة ضروريَّة لإعادة انتظام ماليَّة الدَّولة، كما في تحديد نسبة العجز السنوي أو الفائض إن وجد وهذا مستبعد، هذا بالإضافة إلى تبيان كيفية ووجهة صرف الأموال العامو ومدى مشروعيَّة وقانونيَّة إنفاقها.

لقد تَسبَّبَ تَخلَّفت الحُكومات المتعاقبةُ عن إجراء  قَطعِ الحِسابِ السَّنَوي بنهايَة كُلِّ سَنَةٍ مالِيَّة مُنذ العام 1993، فوضىً مالِيَّةٍ نتيجَةَ المُخالَفاتِ والإرتِكاباتِ التي بدأت مُنذُ ذلك الوَقتِ، ولمَّا تَنتَهي تبعاتها بعد، وفي حالِ إنجازِ عَمليَّاتِ قَطعِ الحِسابِ، والتي يبدو أن ديوانُ المُحاسبةِ يعملُ على دراسةِ الختاميَّةِ التي أحيلت له منذ العام 1993، وطرحِها على المَجلِسِ النيابي لمناقشتِها وإقرارها، أو اتّخاذِ القرارِ المُناسبِ على ضَوءِ كُلٍّ منها. الأمرُ الذي يُسهِّلُ  أو يؤدي إلى كَشفِ التَّجاوزاتِ لروحيَّةِ قانون النَّقد والتَّسليف،  والهدر اللَّذانِ طاولا المالَ العام.

وأخيراً يُعزى تغَيَّيبُ السِّياسِيًّينَ في لُبنانَ لسَنواتٍ عِدَّةٍ مُوازَنَةَ البِلادِ لتَخلُّفِ الجِهاتِ المَعنِيَّةِ عن إجراءِ قَطعِ الحِسابِ، وهذا ما فَتَحَ البابَ امامَ الصَّرفِ اللَّامَسؤولِ، والهَدرِ والفَسادِ والسَّرِقَة الأمرُ الذي أودى بلبنان إلى مأزقٍ مأزومٍ تختلطُ فيه الأزماتُ السِّياسيَّةُ مع الأزماتِ الاقتصاديَّةِ والماليَّةِ والنَّقديَّةِ والاجتماعيّضة …الخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى