منوعات

الجزمة…

كان لصديقي هيثم الخير من طرابلس جزمة بنّية اللون ، غريبة الشكل، لا هي بجزمة الكاوبوي ولا هي بجزمة الفلاح الفيتنامي، بل امر بين أمرين،"بوزها" ضيّق حادّ من الأمام إن ضُربت في الجدار لخرقته، وواسعة عند أخيل القدم ما يسمح لمنتعلها ان يخبىء فيها ما يريد من حاجات سرية .
كانت العلاقة بين هيثم وجزمته الساحرة  تلك علاقة متينة. كان يرفض اي نقاش حولها،يرفض التخلي عنها رغم تحريضنا الدائم له على خيانتها، يرفض انتقادها، يميّزها عن كل الأحذية الأخرى، يعتني بها، يمسح عنها الغبار،يعيد صبغها دورياً، يسندها الى جدار خلف باب المدخل باحترام لتشكل مع الجدار والارض مثلثا متساوي الاضلاع حيث يجعل بوزها الى الأعلى مرتفعا عن الارض ، يتفاءل بها، تواكبه حيث مضى، شتاء ، ربيعا، صيفا، خريفاً، لا يهمّ، كأنها صممت لكل الفصول .وللأمانة العلمية  فقد خدمته بإخلاص وتفان ورغم مشيه الطويل والدائم من وسط المدينة الى منزله عند الأطراف، لم يتغير شكل النعل ابدا، ذلك النعل الخاضع لمعادلة رياضية هندسية غريبة لا تخضع لقوانين الفيزياء، نعل رغم الصعاب لم تتشوّه اطرافه كأنه حدوة حصان.

كانت العلاقة بينهما اشبه بعلاقة السلطة المستبدة الحاكمة بشعب مطيع لا يتمرد ، ينتعلها وتخدمه، يقسو عليها ويمرمغها باوحال الشتاء ولا تشتكي، يدعس فيها الحفر ويقفز فوق حجارة الارصفة ليختبر مدى صمودها وتبقى صامدة لا تلين،ان جلس في مقهى يضع الساق فوق الساق ليمدّ جزمته لتراها العيون ،وكانت الجزمة تتواطأ معه في مدّ بوزها لتسحر الناظرين اليها والى سيّدها.

عقدنا عدة ندوات ليلية مع استنفارات ادبية ونفسية-سياسية-تحليلية حول علاقة هيثم بالجزمة. نحن كشريحة طلابية في مونبلييه بفرنسا، كنّا نميل في تحليلاتنا  لصالح الجزمة المكافحة ،وكنّا نحاول تحريرها من هيثم ،لذلك استدرجناه لنقاشات وحوارات طويلة واتهمناه بالعُصابي وبضحية الوسواس القهري واخبرناه ان العلاقة بينهما مرضية و يجب ان تنتهي ولو اضطررنا ان نضع له الدواء خلسة في الطعام او ان نصعقه بتيار كهربائي ليصحو، ما اغضبه واعتبره تدخلا سافرا في شؤونه الداخلية وفي علاقته مع جزمته ولو ان البعض اقترح ان نصعق الجزمة لعلها تنتفض.

يجب كسر تلك العلاقة، لا بدّ من ان تعي الجزمة حقها بالموت او التقاعد. و رغم ملاحظاتنا انها تجلب الحظ لهيثم الا اننا كنا واثقين انها تجلب النحس لنا  و لفرنسا.

ذات مساء وانا عائد الى الشقة الطلابية البائسة، وجدت الجزمة مرصوفة بحزن و بحذر وباحترام وبهيبة وبخشوع بقرب مستوعب للنفايات .كانت في حال تستدعي الشفقة،شعرت بإكتآبها لبعدها عن قدمي هيثم. كانت في حالة ضحية اشتاقت لجلّادها الأنيق والوسيم، اعتادت على القهر والدعس فحُرمت من سعادة خنوعها، جزمة مازوشية امينة ومطيعة. كان واضحا ان هيثم رفض رميها بداخل المستوعب احتراما لها ولماضيها المشرّف، وربما ايضاً اعتقادا منه انها ستلقى من تليق به و تعجبه فيأخذها لينتعلها ما يجنبها الهلاك والموت في القمامة طالما انها ما زالت قادرة على الخدمة بعد . الجلادون يتبادلون ضحاياهم عن وعي من اجل ديمومة حكمهم وسط شعارات جديدة كالحرية والاستقلال والسيادة.

شعرت وكأنّها تتوسلني لأصلح الامر بين المحكوم والحاكم ،حملت الجزمة بفخر ، كرّمتها ان وضعتها على رأسي والمارّة ينظرون  بعيون مفتوحة لا يفهمون ما يرون. 
اعدتها الى المنزل، ثقيلة الوزن ، قيمتها بجودتها و قديمها، اعدتها الى مكانها المعتاد، وما إن لمحها هيثم حتى جُنّ جنونه، كاد ان يضربني غاضباً ،اخذ  يكيل لي الشتائم من ناحية ومن ناحية أخرى يرمق الجزمة بنظرات عتاب وتحسّر وندم وعتب وانزعاج وانتقام،  يريدها و يبغضها، استشاط غضباً وهجم باتجاهها ما دعاني ان اقف بينهما وصمدت وابعدته عنها لأنه كان ينوي رميها من الشباك نكاية بي وبها. وللأمانة الوطنية لم تبد الجزمة اي انزعاج بل التزمت كعادتها الصمت ، صمت الجزمة صراخ لا يسمعه الا الكادحون الشرفاء…

شيئ خطير  حصل ما بينهما .

في اليوم التالي انتعلها برفق وحنان وخرجنا الى وسط المدينة، لم اساله عنها لحساسية الموضوع لديه، لكني ادركت ان الامور عادت لطبيعتها بينهما .
بعد ايام قليلة وجدت الجزمة من جديد قرب مستوعب للنفايات، مرصوفة بإحترام وعناية، أخذتها وخبأتها في الغرفة وتجاهلت قصتها، وجدته شاردا حزينا كمن خسر ثروة او حبيباً او سلطة وينتعل حذاء جديدا وجميلا يناسب الموضة واناقته الرفيعة المستوى.سألته عن حالته فقال ان كل شيء على مايرام انما للاقدار أحكامها فسكتت وعرضت عليه ان نزور صديقنا عامر حربا من طرابلس. وافقني الرأي، توجهنا الى السيارة وانطلقنا الا اني نجحت بتهريب الجزمة معي.

اعترف اني لطالما حاولت انتعالها لاعرف سرّ نشوة هيثم ،الا انها كانت تزعج قدمي بل ترفضها، قصة ولاء وإخلاص و وفاء.

وصلنا، طلبت منه ان يسبقني بينما  اركن السيارة في الموقف.
دقائق قليلة سمحت لي ان أتآمر مع  عامر لما اعتقدنا فيه مصلحة الجزمة المكتئبة.
بينما نحن جالسون نتناول الشاي ونتبادل الحديث غاب عامر للحظات ليعود حاملا الجزمة وليقول لهيثم :
-نسيت ان اخبرك، ارسلت لي البلدية الجزمة  وطلبت مني ان اتدخل شخصيا لأعيدها لك لأقتناع البلدية ان احدهم سرقها منك ورماها خطأ في القمامة…
صارت جزمة طنبورية…
هنا جحظت عينا صديقنا وكاد ان ينفجر غيظا ، اعتقدنا انه سيقتلنا هذه المرة ،الا ان قصده من الهجوم كان الجزمة وبدل ان يرميها او ان يضربنا بها ، تناولها بعطف وحنان وانتعلها من جديد وقال لنا ياستخفاف وسخرية:
–لا تظنن ايها الوقحان اني افضلكما عليها، وحدها جلبت لي الحظ والسعادة ،بينما انتما لم تجلبا لي سوى النحس والفقر و الكلام وصفصفة الجمل والشعر والفلسفة والمروءة والانسانية والتضحية ،لا اريد ان اشبهكما .غبيّان واحمقان ،انا من النبلاء ،من أنتما؟
نكاية بكما سانتعلها من جديد وهذه المرّةالى الابد، كلّ مؤامراتكما ستبوء بالفشل …

وهنا نظرنا الى بعضنا البعض "وضحكنا ضحك طفلين معاً وعدونا فسبقنا ظلّنا.*

تيقنّا أننا  كمثقفين و كوطنيين وكحالمين وكمغامرين وكشرفاء وكسذج وكمتعلمين وكمحزونين وكمؤمنين وحتى كجهلة ، أننا وحدنا من يهدي الشعب كضحية الى جلاديه ليحكموه ولينتعلوه وليدعسوه  في الحُفر .
انا المهرج، أنا الشعب..
سأقتلكم من البكاء والضحك.

ملاحظة:رفض صديقا العمر أن اغيّر اسمائهما.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى