سياسةمحليات لبنانية

احتجاجات الشارع اللبنانيّ: استحضار القبليّة الهائمة بين الزواريب والشوارع

 

د. سعيد عيسى

يفتح الاحتجاج في الشّارع اللبنانيّ الباب على مصراعيه، للتّناظر عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، توصيفا لحالات الاحتجاج، بين تأييد لها أو معارضة، تقبيحها أو الثناء عليها، وصمها بخدمات سياسيّة، تفيد زعامات سياسيّة محلّيّة، أو دولا خارجيّة وأحلاف، متخلّفة أو متقدّمة، وغير ذلك من العبارات التي تفيد التأييد والمديح أو العكس من الذمّ والقبيح. وبغضّ النّظر عن الموقف منها (الاحتجاجات)، إيجابًا كان أو سلبا، وسواء كان المحتجّ مؤيدا لمن في السلطة أو معارضًا لها، ناشدا للمدنيّة والحداثة، أو رافضا لها، أم قابعًا في منزلة بين المنزلتين، متنازَعًا بينهما، منغمسًا في بواطن التكنولوجيا تارة، ومصابا بالحنين إلى الأصول (حسب أريك فروم) تارة أخرى، فإنّه يمكن ملاحظة مشتركات واضحة بين المعترضين والمؤيدين.

من أهمّ المشتركات الجامعة للمتناظرين في الاحتجاجات هو التمسّك بالانتماءات الأوليّة، بوعي منهم أو لا وعي، حتى ولو بالغ قسم منهم بنكرانها، وتزيينها بعبارات متأنّقة وأدمجها في خطاباته مثل المدنيّة، والتحضّر، والوعي وغيرها، أو استبعد شطر آخر من عباراته ما يفيد معنى التخلّف وأبدلها بعبارات مثل التقاليد، والعادات، والخصوصيّة وغيرها، لكنّه، رغم اختلاف التعابير وتناقضها، فإنّ المشترك الأوليّ يبقى حاضرا.

والانتماءات الأوليّة على ما هي عليه مفروضة، لا خيار للفرد فيها، يولد الانسان فيجدها بين جنباته، لا فضل له فيها، تبدأ من البيت – الأسرة، فالعائلة، والعشيرة، والقبيلة، والمنطقة، والدّين، والطائفة، والمذهب، والطريقة، والعادات، والتقاليد، والملبس، والمأكل، والمشرب، والشعائر والممارسات، وصولا إلى الحيّ والشارع وغيرها الكثير، وهذه الانتماءات تفعل فعلها في الانسان، تنحته منذ نعومة أظفاره، يصعب التخلّص منها، والفكاك عنها، بحاجة لمقاومة وصبر طويلين.

كثرة من اللبنانيين يعيشون وهم الانتقال إلى الانتماءات الثانويّة، أي الفردانيّة (Individualism)، والخيار الحرّ، وتخلّصوا من كلّ ما يمت للانتماءات الأوليّة بصلة، وفي اعتقادهم أنّه إذا اقتنوا أحدث السيّارات، والتقنيّات، واتقنوا لغات عالميّة، وتوسّموا بأحدث الماركات العالميّة، وتحزّبوا وتمدّنوا، وخاضوا غمار العمل المدني وجمعياته، وما إلى ذلك، لكنّ ما أن يتناظرون لحظة فيما بينهم، حتى تنبعث آثار الانتماءات الأوليّة، مستحضرين قبائلهم الهائمة على وجهها بين الزواريب والشوارع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى