رأي

‎زلزال التفاهمات.. وإعادة تشكيل موازين الردع (أكرم بزي)

 

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

‎لقد دقت ايران مسمار تثبيت ميزان الردع الحقيقي من خلال تثبيت وقف اطلاق النار بعد خطوتين اتخذتهما، الاولى ايقاف سفر وفد المفاوضات الى سويسرا والثانية وهي الأهم اغلاق مضيق هرمز وتهديد الاقتصاد العالمي لاجل وقف اطلاق النار في لبنان.

‎تجد اسرائيل نفسها في تاريخ ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ رهينة واقع استراتيجي متهاو، حيث تلاشت أوهام التحالفات التي استندت اليها لسنوات، وظهرت تصدعات بنيوية في الجدار الذي بناه بنيامين نتنياهو. ان مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران في ١٧ يونيو ٢٠٢٦ لم تكن مجرد اجراء دبلوماسي، بل زلزال سياسي تجاوز المصالح الامنية الاسرائيلية، وهو ما دفع بأصوات وازنة كداني زاكين في صحيفة اسرائيل هيوم الى وصف الخطوة الامريكية بالخيانة، معتبرا ان ادارة ترامب اعادت تعويم ايران على حساب حلفائها، ما يضع تل ابيب في عزلة دولية خانقة.

‎ان المرارة التي تغلف المشهد الاسرائيلي اليوم ليست عابرة، بل هي حصاد لرهانات خاطئة على سياسة الضغط الاقصى التي لم تنتج سوى الاستنزاف. لقد بات واضحا ان الاتفاق الامريكي الايراني صمم في غرف مغلقة بعيدا عن اعين تل ابيب، تاركا اياها وحيدة في مواجهة تحديات جبهة الشمال. وبينما تضغط واشنطن لفرض تهدئة هشة، يتمسك القادة العسكريون وعلى رأسهم اسرائيل كاتس بضرورة البقاء في المنطقة الامنية جنوب لبنان، ما يضع الحكومة امام خيار وجودي، اما الرضوخ للرغبة الامريكية او المخاطرة بصدام دبلوماسي وأمني لا تحمد عقباه.

‎في قراءة متفحصة لحركة الدول نجد ان كل فعل سياسي يرتكز على تلاقي الرغبة في الانجاز مع امتلاك ادوات التنفيذ، في مسار العلاقات الامريكية الايرانية تظهر رغبة ترامب الجلية في طي صفحة هذا الصراع الذي اثقل كاهل الاقتصاد العالمي واستنزف طاقته السياسية، غير ان هناك شكوكا مبررة تحيط بمدى قدرته على صياغة مخرج نهائي للازمة في المدى المنظور، اي خلال الستين يوما المقبلة، اذ تتشابك التعقيدات الميدانية لتحد من طموحات السياسيين. اما على جبهة لبنان فتمتلك واشنطن اوراق ضغط مادية حاسمة كإمكانية حجب امدادات السلاح وهي وسيلة كفيلة بإنهاء النزاع فورا لو توفر القرار السياسي، لكن الحقيقة المرة هي غياب التوجه الجدي لدى الادارة الامريكية للجم الممارسات الاسرائيلية، اذ يظل نتنياهو يحظى بهامش مناورة مفتوح لمواصلة الحرب املا في فرض شروط قاسية على بيروت، وكل تلك التجاذبات اللفظية بين الطرفين ما هي الا فصول في مسرحية دورية تتلون اهدافها بحسب مقتضيات الحسابات الانتخابية سواء كانت مغازلة للقاعدة الديمقراطية كما حدث ابان احداث غزة او استمالة للتيار الجمهوري اليميني في المرحلة الراهنة.

‎إن هذا النجاح الميداني الذي حققته طهران يضعها أمام اختبار مزدوج، فإما أن تتمسك بانتزاع ضمانات صلبة تكرس التفاهمات مع واشنطن وتخرجها من دائرة الابتزاز، وإما أن تدرك أن صمتها المرحلي قد يكون فخا يستدرجها إلى مسارات أكثر تعقيدا في الملف النووي، حيث تسعى القوى الدولية لفرض شروط مذلة تتجاوز الترتيبات الإقليمية الراهنة.

‎ان هشاشة وقف اطلاق النار المعلن في ١٩ يونيو ٢٠٢٦ والضربات المتبادلة التي لم تتوقف تعري انفصام الواقع السياسي. لم يعد الصراع محصورا في الميدان العسكري بل في انهيار العقيدة الامنية التي ظن نتنياهو انها ستؤمن مستقبله السياسي. اليوم يدرك المجتمع الاسرائيلي ان الثمن الباهظ للحرب هو نتيجة حتمية لغطرسة الرهان على واشنطن بينما كانت طهران ترسم لنفسها مسارا دوليا جديدا، تاركة اسرائيل في متاهة لا تضمن فيها امنها ولا تجد فيها مخرجا سياسيا مشرفا.

‎وهنا لا بد من الاشارة الى ما قاله تامير هايمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والمدير الحالي لـمعهد دراسات الأمن القومي، أن الاتفاق مع إيران يمنح طهران معظم ما كانت تسعى إليه، قائلاً: “لو كنا نعلم أن الأمر سينتهي بهذا الشكل، لكان من الأفضل عدم شن هذه الحرب على الإطلاق، فهذا اتفاق يمنح إيران تقريباً كل ما تريده”. وتُعدّ تصريحات هايمان من أبرز الانتقادات الصادرة من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجاه مخرجات الاتفاق.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى