سياسةمحليات لبنانية

أحدثكم عن شقيقتي والكورونا في بوسطن: وحده الحب والحنان..والحنين الى الوطن

 


مريانا أمين – الحوارنيوز

كنت  أود  أن أحمل قلمي لأكتب عن شقيقتي المتميزه بذكائها والرياضية المتفوقة في دراستها ؛ الجميلة الجسد والممشوقة القوام  التي تعيش بما يسمونها بلاد الأحلام .. بلاد العم سام .
تعيش ! رافعة الرأس وعزيزة النفس …
لكن الوباء حال دون ذلك !
إنها شقيقتي الأصغر مني بسنتين..
تغربت عن الوطن بعمر صغير مثلي تماما وعاشت كل منا في قارة وبقي يجمعنا الحنين للوطن وذكريات الطفولة !!
خلف البحار السبع تعيش منذ أكثر من عشرين عاما . سافرت كما سافر الكثيرون ،ولكل من اللبنانيين أسبابه في الهجرة كما يعلم الجميع .
أصبحت بعيدة عن الوطن والأهل فتابعت دراستها  العليا في علم الاحياء  في جامعة Massachusetts ماساشوستس   بوسطن…
هوايتها الأساسية هي الرياضة بأنواعها العديده، فهي تمارسها من ساعتين إلى ثلاث ساعات يومياً …
  في تاريخ الثامن عشر من آذار ذهبت إلى النادي الرياضي  المعتاد ، وبدأت باستعمال آلة الدراجة الرياضية، فكان أول إحساس لها بالتعب الذي لم تعهده من قبل ،وتفاجأت من  قوة دقات قلبها ؛لدرجة أنها لم تستطع الإستمرار مع المدربة كالعادة ….
رجعت إلى منزلها وبدأت العوارض الكورونية بالظهور واحدة تلو الأخرى،أولها وجع حاد في العيون ثم وجع بالعضلات والحلق …
أما الاتصال  بالمستشفى  فكان دائما من دون جدوى ،والحجة لديهم  من عدم استقبالها أنه لا يوجد لها مكان ،فهم لديهم تعليمات  باستقبال  الحالات الحرجة فقط وعليها إلتزام المنزل !!!
بدأت وعائلتها الصغيرة التي تعاملت  معها بكل عطف واطمئنان، البحث عبر الانترنت عن كيفية العلاج ،فوجدوا أن العوارض نفسها كانت قد أصابت وزيرة الاعلام البريطانية( نادين دوريس) التي اصابتها نفس الاوجاع ،خاصة وجع العيون الذي جعلها متعبة أكثر من أي وجع آخر …
عدم استقبالها في المستشفى !
وعدم معرفة كيفية العلاج من هذا الوباء الذي يعتبره الاميركييون بشكل عام أنه جاء بسبب أكل الحيوانات البرية في الصين ،وليس هناك وجهة نظر أخرى يتداولونها  أو يناقشونها ، فالأمر محسوم لديهم من جهة المصدر ،حتى أن رئيسهم يطلق عليه إسم ( الوباء الصيني), فوجهات النظر السياسية أو غيرها  غير مطروحة للنقاش بتاتا !!!

وبدأ القلق !
وبدأت الهواجس!
هذا القلق الذي تلازم مع الشعور بالمجهول وعدم معرفة المستقبل بوضوح!
والاعلام العالمي يتكلم كل يوم بطريقة مختلفه عما قبلها !!!
هل ستتعافى؟ هل قريبا أو بعيدا!؟
هل ستزداد الحالة سوءا وهي بعيدة عن الأهل والوطن !؟
هل هذا كل شيء او سيصيبها عوارض أخرى؟ !
أو هل سيتراجع المرض وترجع كما قبل !؟
ضيق التنفس بدأ يزداد  مترافقاً مع ألم في المفاصل والعضلات وإنهيار قوة الجسد ما ألزمها الفراش عشرين ساعة يومياً مع فقدان الشهية ،فكان ينزل وزنها بأستمرار وبشكل سريع إلى أن فقدت حاستيّ الذوق والشم ،  والاخيرة أثرت على حالتها نفسيا لانها لم تعد تستطيع أن تشمم رائحة إبنها الصغير الذي يعانقها بأستمرار….

لكن ! 
أملها بقي موجوداً بالعزم والاستمرار في العلاج حتى لو كان منزليا ؛ وبدعم عائلتها واصدقائها  لها معنويا كان الأقوى والأهم في هذه المحنة ، فالعطف والحنان والصبر زادها ثباتا وقوة كي لا تستسلم لفيروس لعين !

في بادئ الأمر لم تخبر أهلها في الوطن لأنها خافت على ردة فعلهم، فسيقلقون حتماً خاصة أن المجتمع الشرقي يصيبه الهلع الفوري عند سماع كلمة كورونا وكأنها وحش …
ثانيا خوفا عليهم من القلق على حالتها ، لأن الخبر عن بعد يسبب الهلع والرعب….
أخبرت العائلة في اليوم العاشر عندما بدأت تتعافى لانهم لاحظوا غيابها عن التواصل وصوتها تغير كثيراً ….
أخبرتهم باليوم الذي أحست من جديد برائحة الصابون بشكل ضئيل وهي تغسل يديها ،فرقصت فرحاً وعرفت  حينها أنها بدأت تستعيد عافيتها باستعادة حاسة الشم لوّ ضئيلا بعدما كانت تتحسس عطورها والزيوت المعطرة كل يوم دون جدوى !!

  من أول يوم بدأ التمني بالرجوع إلى الوطن ! 
تمنت هذا في  لحظات عديدة خاصة بلحظة عدم قبولها في المستشفى !
كيف لا ! فهي على يقين أن لبنان بلد الحب والمحبة والعطف والعائلة والتضامن رغم كل الظروف القاسية التي مر بها، لكنه يبقى الاحنّ على القلب …
فلو كانت في  لبنان حسب تعبيرها( ما كانوا تركوني لوحدي بدون مستشفى لو شو ما صار )…
وهي تعرف جيداً أن الأطباء  في لبنان أكثر إنسانية وتعاطفاً من الأطباء المتخرين من أفضل الجامعات كهارفرد وغيرها !!!
ومن خلال متابعتها الأخبار اللبنانية ومقارنتها بالغرب وجدت أن لبنان اليوم لا يقل شأناً من ناحية الاهتمام  بالمصابين عن أكبر البلاد تطورا وعظمة حتى أنه يضاهيها تنظيماً…
لبنان كان السّباق وبدأ بأخذ الحيطة والحذر قبل البلاد التي تعتبر متقدمة …

وبعد أن تلقى والدي الخبر  عبّر قائلا :
"لم أدرِ  يا ابنتي أن الغربة عذاب وألم …
لم أدرِ أن البحار السبعة تغرق قلوبنا وتُبعد عنا أغلى كنوز الأرض، هم أحبتنا وأولادنا…
سافروا لعلّ لقمة العيش تكون طيّبة لكنها مُرة الآن؛ نعم مرة كالعلقم…
سافرت روحي يوم سافرت ابنتي رانية ؛ وروحي لم تعد إليّ حتى الآن؛ ولما علمت بأن أميركا تَغرق بوباء الكورونا ! كنت أموت  كل يوم عند نشرة الأخبار على التلفاز ؛ كيف تموت الناس  وكيف تصاب بعشرات الآلاف وكيف يفُر المرء من الموت والموت يلاحقهُ…
والآن أصابتني الكورونا عندما سمعت بأن ابنتي مصابة بهذا المرض الخبيث…
لكِ الله يا ابنتي…
لكِ دعاء أمك وأخوتك…
لك  أرض الآباء والأجداد…
ما أطيب العيش على حبة زيتون ؛ وهداة البال هي الغنى…
سلامٌ لكِ يا ابنتي يوم تعودين بطلة القضاء على الكورونا عدوّ الشعوب والإنسانية .."

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى