
كتب غسان بيضون* في صحيفة الجمهورية – الحوارنيوز

قبل أن تهدأ أصداء موجة الأخبار عن سرقة أطنان النحاس بملايين الدولارات من مستودعاتها، طالعتنا كهرباء لبنان ببيان تهدد فيه الدولة بقطع التيار عن إداراتها ومؤسساتها ومرافقها الخدماتية، وتزينه بمسحة أخلاقية باستثنائها المستشفيات الحكومية رأفة بالمرضى وحفاظاً على حياتهم.
وقبل أن يجفّ حبر هذا البيان نفلت وسائل الإعلام أخباراً عن وصول باخرة محروقات وتغريم المؤسسة كالعادة بعشرات آلاف الدولارات يومياً بسبب عدم فتح الاعتماد اللازم لتسديد ثمن الشحنة التي تحملها قبل وصولها، ليفضح الخبران، السابق والتالي لصدور البيان وما تلاهما حول توقف معمل دير عمار عن العمل وانقطاع الكهرباء عن عدد من المناطق، وتكشف هذه الاحداث حجم الفوضى والإهمال وسوء الإدارة والتقدير والارتقاب، وما يترتب عن كل ذلك من هدر وضرر يلحق بالمصلحة العامة وبالمواطنين وبالمال العام.
من يتمعن في قراءة ما بين سطور البيان يكتشف قدر جهود المؤسسة المبذولة في صياغة بيانها لإظهار الأمور على غير حقيقتها؛ ومن ذلك على سبيل المثال عدم التمييز بين تأخر الجباية الذي يشمل فواتير الإدارات والمؤسسات العامة، وبين الفوترة، بحد ذاتها، وعدم تجاوز نسبتها الـ ٥٠ ٪ من إجمالي الطاقة التي تنتجها الموسسة من محروقاتها السيئة وتضعها على الشبكة ليضيع أكثر من نصفها هدراً بنتيجة التعليق والاستمداد غير الشرعي للتيار منها، دون المرور بعدادات المشتركين، بسبب عجزها عن السيطرة على تلك الشبكات وحمايتها.
ويضيف البيان أن ارتفاع أسعار طن الغاز أويل هو الذي اضطرها لإصدار هذا البيان، مع أن تعرفة مبيع كهربائها التي اقرت بموجب خطة الطوارىء الوطنية لقطاع الكهرباء اواخر العام 2022، استندت في تحديدها إلى سعر 110 دولار لبرميل برنت، بحيث حققت وما تزال تحقق فائضاً في إيراداتها بنتيجة سريان تعرفتها حتى اليوم على ارتفاعها دون تعديل بالرغم من تراجع سعر برميل برنت تدريجياً خلال السنوات الماضية ليصل إلى حدود 70 دولارا، واليوم حوالي 80 دولارا، دون وفاء المؤسسة بالتزامها بإعادة النظر بالتعرفة دورياً وفق تغيّر أسعار النفط؛ وعلى العكس فإن التذرع بتقدير اسعار المحروقات في موازنة المؤسسة عن العام ٢٠٢٦ بأقل مما هي عليه اليوم، يطرح السؤال حول مصير الربح الذي حققته وما زالت تحققه المؤسسة من خلال فارق أسعار المحروقات بين تلك التي بنيت على أساسها التعرفة والسعر الفعلي الذي تحملته خلال السنوات الماضية حتى تاريخ البيان، والتي سوف تتحملها لقاء تأمين حاجتها من المحروقات خلال ما تبقى من عمر موازنة ٢٠٢٦، المصدقة “خلسةً” وحكما؛ والتي انقضى منها ما يقارب الثمانية أشهر، وكذلك يثير التساؤل عن الغبن المترتب عن استيفاء المؤسسة رسوم اشتراك ثابتة من الإدارات والمؤسسات والمواطنين يفترض أن تكون مقابل تغذية 24/24، لا بل أنها تستوفيها أحياناً حتى دون توفير أي تغذية.
تزعم المؤسسة في بيانها بأنها مقبلة على القيام بحملات نزع التعديات المزمنة على شبكاتها ليبدو وكأن هذه التعديات أمر مستجّد، فتوهم الرأي العام بقدرتها على ذلك من جهة، وبجدية حرصها على حقوقها وأموالها من جهة ثانية، ولتوحي لغير العارفين وكأن علّة عجزها المالي تكمن في تقصير “الدولة” عن تسديد فواتيرها، وليس في عجزها عن ضبط التعديات على شبكاتها، وفي استمرار الهدر المستشري في خياراتها السيئة، وفي المخالفات التي تشوب عقودها وتعتري تلزيماتها ومعظم نفقاتها، لعلها تخفي فشل قيادتها وسوء ادارتها المزمن والثابت من تكرار تهديداتها بالعتمة لابتزاز الحكومة والمسؤولين توسلاً لستر عيوبها وفضائحها تحت عنوان درء الخطر على الاستثمار!
لقد عاشت كهرباء لبنان لعقود على سلف الخزينة التي تراكمت لتبلغ عشرات مليارات الدولارات، وبقيت حتى اليوم دون تسديد، بالرغم من تضمين قانون موازنة 2018 مادة أوجبت وضع آلية تحدد كيفية تسديد هذه السلفة إضافة إلى جدولة الديون المتراكمة على المؤسسة، خلال مهلة أقصاها ستة أشهر من تاريخ صدور هذا القانون؛ غير أن هذه المادة بقيت حبراً على ورق، بالرغم من تأكيدها في قوانين موازنات لاحقة.
وفيما باشرت الخزينة باقفال كامل قيمة الفواتير المتاخرة على إدارات الدولة بحساب كهرباء لبنان المدين بقيمة سندات الخزينة، استجابت الحكومة مؤخراً لطلب المؤسسة الاكتفاء باقتصار الاقتطاع من قيمة الفواتير على 20 % منها وتحويل الباقي إلى المؤسسة، توفيراً للسيولة التي تحتاجها لشراء المحروقات.
إن تهويل مؤسسة كهرباء لبنان بقطع الكهرباء عن إدارات الدولة ومرافقها الخدماتية الحيوية، ليس جديداً، كما هو حال التهديد المتكرر بوصول البلد إلى العتمة الشاملة بسبب شح المحروقات، لتغطية الفوضى المالية التي تعيشها وعجزها عن الإيفاء بوعودها والتزاماتها.
ولجلاء خلفية البيان الصادر بهذا الشأن والجداول المرفقة به، لا بد من التذكير بأنه يأتي بعد مسار طويل ومحاولات إنقاذ وخطط انقاذية عديدة، وبعد نفاذ “مكرمة” العراق النفطية، وفشل خطة الطوارئ الوطنية لإنقاذ القطاع، والتي شملت رفعاً عشوائياً ومتسرعاً للتعرفة اعتباراً من أواخر ٢٠٢٢، على وعد بتأمين التوازن المالي للمؤسسة، ومعه رفع التغذية إلى ما بين 8 و10 ساعات تغذية يومياً، والتي لم تنفع في “تجليس” أوضاع مؤسسة كهرباء المالية المهترئة حتى اليوم. وكذلك بالرغم من تحميل الحكومة للدولة أعباء تسديد ثمن النفط العراقي دون استصدار قانون من مجلس النواب يجيزه، وبالرغم من السماح للمؤسسة باستيفاء فواتيرها بالدولار؛ ناهيك عن تعيين مجلس إدارة جديد لها دون تغيير رئيسه، ومن تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، ومن موافقة مجلس الوزراء على تسهيل تفريغ شحنات المحروقات المستوردة لصالح كهرباء لبنان خلال ثلاثة أشهر قادمة قبل إجراء فحص عينات منها يسبق التفريغ، وذلك من باب التحسب لأي طارئ قد يضع البلد على شفير العتمة.
وبالرغم من إعطاء تراخيص انتاج بين ١٢٠ و ١٨٠ ميغاواط من الطاقة الشمسية في مختلف المناطق اللبنانية، وافقت الحكومة بتارخ 12/ 5/ 2022، على منحها لعدد من تجمعات الشركات بناءً على استدراج نوايا كان أجراه الوزير سيزار أبي خليل خلال العام ٢٠١٦. وقد جاءت هذه الموافقة خارج صلاحية القانون رقم 129 المنتهية تاريخ 30 نيسان 2022،، وبقيت دون تنفيذ حتى اليوم، كما هو حال تلزيم انتاج الطاقة من الرياح ومشروع تأهيل خزانات المنشآت وتوسعتها، وبالرغم من إقرار قرض من البنك الدولي بقيمة ٢٥٠ مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء.
بالرغم من كل ما تحقق لصالح المؤسسة من بحر الإيجابيات الآنفة الذكر، وكان يفترض أن تبعث شيئا من الأمل في حلحلة أزمة الكهرباء وإحداث تغيير جدي ملموس على أرض الواقع، لطالما طالب به مبعوث الاتحاد الأوروبي”دوكان” في إطار محاولته مساعدة لبنان على الخروج من أزمته هذه. وبالرغم من الأفكار المطروحة منذ سنين أيضاً لاستجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن ومؤخراً من قبرص، ها هي الأمور تستمر على حالها وأزمة الكهرباء تتحول إلى معضلة وتعود كهرباء لبنان إلى التهديد بقطع الكهرباء عن الإدارات والمؤسسات والمرافق العامة ما لم يتم تسديد المتأخرات المتوجبة عليها، في محاولة لإيهام الرأي العام بأن أسباب عجز المؤسسة عن توفير التغذية الموعودة بعشر ساعات تكمن هناك.
فما هي الحقيقة وماذا وراء التهديد بالمخاطر على الاستثمار المعلَقة على عدم الاستجابة لمطالب وشروط إدارة مؤسسة كهرباء لبنان؟!
لا شك ولا جدال حول توجب الفواتير على الإدارات والمؤسسات العامة ووجوب أن تدفع للمؤسسة او تسويتها وفقاً لأحكام قوانين الموازنة العامة ذات العلاقة؛ غير أن هناك ملاحظات ومآخذ وأسئلة تبقى مطروحة في هذا الإطار. وهي تتعلق بوجوب التمييز بين الإدارات والمؤسسات العامة كمشتركين لدى كهرباء لبنان، بحيث يكون على هذه الأخيرة أن تتعامل مع كل منها بشكل مباشر، وليس عبر أي جهة وسيطة أخرى، إذ أن لكل واحدة من الإدارات باب خاص بها في الموازنة العامة يحدد سقوف الاعتمادات المخصصة لمختلف نفقاتها، بما فيه فواتير الكهرباء؛ ولكل مؤسسة عامة موازنتها الخاصة وشخصيتها المعنوية.
إن التأخر في صدور الفواتير عن كهرباء لبنان شكَل، وما يزال يشكل، إرباكاً للموازنة العامة كما لموازنة المؤسسات، لناحيتي تقدير الاعتمادات اللازمة لتغطية فواتير الكهرباء ضمنها، كما لصرف فواتير سنوات سابقة من اعتمادات السنة الجارية غير الكافية لتغطيتها، بحيث تؤدي معالجتها إلى استنزاف احتياطي الموازنة بنتيجة النقل منه لتغطيتها، هذا فضلاً عن أن تقدير الحاجة إلى هذه الفئة من الاعتمادات خلال سنة مقبلة يستوجب توفّر معلومات عن حجم فواتير سنة كاملة سابقة على الأقل، ومعرفة عدد ساعات التغذية التي تنوي المؤسسة توفيرها، لكي يبنى على أساسها تقدير تكلفة حاجتها للاستعانة بالمولدات والاعتمادات اللازمة لتغطيتها.
إن قطع الكهرباء عن الإدارات العامة سوف يفاقم عرقلة أداء هذه الادارات المترتبة عن عدم استقرار التغذية على ندرتها، وينعكس سلباً على خدمة المواطنين وعلى قيام المكلفين بالضريبة منهم بموجباتهم تجاه الإدارة، بما فيه تسديد المتوجب عليهم من ضرائب ورسوم، ورفد الخزينة بالتدفقات المالية في مواقيتها المرتقبة.
ولنفترض أنه بسحر ساحر تحققت معجزة توفير التمويل اللازم لتسديد كامل قيمة الفواتير التي تطالب المؤسسة بتسديدها، وتهدد بقطع التيار في حال عدم الاستجابة لإنذارها، فهل أن أزمة الكهرباء ومشاكلها سوف تنفرج وتجد لها حلاً؟
الجواب قطعاً لا، ذلك أن أساس أزمة الكهرباء أعمق من مشكلة المتأخرات، ويستحيل حلها بهذه الطريقة ما لم تعالج اسبابها الحقيقية القائمة والمتجذرة في الهدر على شبكات المؤسسة وفي معظم عقودها، وفي سوء إدارتها وسوء خياراتها الفنية والتقنية وسبل التزود بالمحروقات؛
إن مقدمة المعالجة الجدية لأزمة الكهرباء المزمنة لا بد أن تبدأ، بعد تغيير القابع على رأس إدارة المؤسسة بعد ربع قرن من الفشل، من الخروج من مركزية الانتاج والتوزيع إلى نظام لا مركزي تتنوع فيه مصادر انتاج الطاقة لتبلغ حصة قطاع الطاقة الشمسية منها مستوى الانتفاع الأمثل من الشمس المتوفرة دون مقابل على مدى ثلاثمئة يوم من السنة، بحيث يصدر التشريع اللازم للإجازة للبلديات الكبرى بالتعاقد مع القطاع الخاص، لإنشاء مزارع الطاقة الشمسية بتمويل داخلي وعلى عقارات تملكها الدولة او البلديات واتحاداتها، بحيث تكون تكلفة الكيلوات في ادنى مستوى له، ويتوفر أمن لبنان الطاقوي إلى حد يعفي الدولة ومرافقها الخدماتية من تكرار التعرض للتهديد بالعتمة الشاملة، ومن انعكاس التوترات السياسية والأمنية الاقليمية، التي يمكن ان تترتب عن استيراد غاز تتبدل جنسيته بمروره بين دولة وأخرى، او استجرار الكهرباء من الأردن أو قبرص.
أخيراً، وبعد استغراب ورود إسم “ليبان بوست” ضمن جداول المتأخرات، والتاكيد على أن حجة كهرباء لبنان في تهديد “الدولة” بقطع التيار عن مرافقها هي نقطة حق ضئيلة في بحر باطل واسع من سوء إدارتها، ولنشكر الله على أن التوصية باتجاه اعتماد لا مركزية الانتاج والتوزيع قد صدرت مؤخراً عن المراجع المختصة، وأعلن عنها بتأييد من البنك الدولي ومباركته!
*مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه. خبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق



